حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,25 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 3904

الدكتور علي الصلاحين يكتب: "من المسار إلى المصير: فلسفة الموت في الوعي الديني والإنساني"

الدكتور علي الصلاحين يكتب: "من المسار إلى المصير: فلسفة الموت في الوعي الديني والإنساني"

الدكتور علي الصلاحين يكتب: "من المسار إلى المصير: فلسفة الموت في الوعي الديني والإنساني"

25-01-2026 03:51 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : الدكتور علي الصلاحين
الموت لم يكن في أي حضارة حدثًا عابرًا ولا نهاية صامتة، بل ظلّ دائمًا سؤالًا مركزيًا يختبر معنى الوجود، ويكشف حقيقة الإنسان، ويعرّي ما كان مستترًا خلف الأقوال والأقنعة. ومن هنا ارتبط مفهوم الخاتمة، أو المنقلب الأخير، بفلسفة الحياة ذاتها؛ إذ لا يُفهم الموت إلا بوصفه حصيلة لما عاشه الإنسان، وما آمن به، وما راكمه في قلبه قبل أن يراكمه في يده.
في التصور القرآني، لا يأتي الموت قطيعة مفاجئة مع الحياة، بل امتدادًا أخلاقيًا وروحيًا لها. فالقرآن لا يركّز على لحظة الاحتضار بقدر ما يربط الخاتمة بمسار سابق طويل: مسار الإيمان أو الغفلة، الصدق أو النفاق، اليقظة أو الركون. لذلك لم يجعل سوء الخاتمة عقوبة طارئة، بل نتيجة طبيعية لحياة أُفرغت من معناها الأخروي. فالذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وغفلوا عن آيات الله، لم يُفاجَؤوا بمصيرهم، بل وصلوا إليه كما يصل السائر إلى آخر الطريق الذي اختاره. وهنا تتجلى عدالة القرآن؛ إذ يجعل المصير ثمرة الكسب لا مفاجأة القدر.
هذا المعنى ليس حكرًا على الإسلام، وإن كان الإسلام قد صاغه بأوضح صورة وأعمق توازن. ففي الديانات السابقة، يظهر الموت بوصفه لحظة كشف لا رجعة فيها. ففي التراث اليهودي، ارتبطت نهاية الإنسان بمدى وفائه للعهد الإلهي، لا بكثرة الطقوس وحدها. وفي المسيحية، ظلّ هاجس “الموت على الإيمان” حاضرًا بقوة، حيث تُقاس النهاية بصدق العلاقة مع الله لا بالمظهر الخارجي، ويُخشى من موت القلب قبل موت الجسد، وهو معنى يلتقي بعمق مع التحذير القرآني من النفاق والرياء.
أما الحضارات القديمة، كالمصرية، فقد جعلت الموت ميزانًا دقيقًا تُوزن فيه القلوب. لم يكن الحساب هناك حساب أعمال فقط، بل حساب نوايا وعدل داخلي، حيث يُسأل القلب: هل كان خفيفًا أم مثقلًا؟ وهو تصور رمزي قريب من المفهوم القرآني للقلب السليم، الذي جعله الله شرط النجاة الوحيد يوم لا ينفع مال ولا بنون. فالتاريخ الروحي للبشرية، رغم اختلاف لغاته، كان واعيًا بأن الخاتمة مرآة الداخل.
وفي الفلسفات الإنسانية القديمة، خاصة عند اليونان والرواقيين، لم يكن الموت نهاية مأساوية، بل اختبارًا للتماسك الداخلي. فالفيلسوف الحق هو من يعيش مستعدًا للموت، لا بمعنى احتقاره للحياة، بل بمعنى تحرير نفسه من عبودية الشهوات والقلق. غير أن هذه الفلسفات، رغم عمقها الأخلاقي، بقيت قاصرة عن الإجابة الكبرى: لماذا نموت؟ وماذا بعد؟ فجاء الوحي ليجمع بين المعنى الأخلاقي والمصير الغيبي، بين العمل والجزاء، وبين القلب والآخرة.
في الفلسفة الحديثة، خفت صوت الخاتمة، وحلّ محله هوس اللحظة. صار الموت يُقدَّم بوصفه نهاية بيولوجية، لا رسالة أخلاقية. ومع ذلك، لم تستطع الفلسفات الوجودية، رغم إنكارها للغيب، أن تتجاوز قلق النهاية. بل إن حديثها عن العبث والعدم كان اعترافًا غير مباشر بأن الإنسان لا يحتمل موتًا بلا معنى. ومن هنا عادت الأسئلة الكبرى، ولكن بلا إجابات شافية، لأن الخاتمة بلا حساب تفقد عدالتها، وبلا غاية تفقد حكمتها.
القرآن، في هذا السياق، لا يُخيف بالموت بقدر ما يوقظ له. يربط النهاية بالبداية، ويجعل الخاتمة ميراث السوابق. فمن عاش على شيء مات عليه، ومن مات عليه بُعث عليه. لذلك لم يكن أخطر ما في سوء الخاتمة هو الموت ذاته، بل أن يأتي الإنسان إلى ربه بقلب مُثقل، وقد ضيّع فرص التزكية، واستبدل الإنابة بالتسويف، والأمل بالاغترار. التسويف هنا ليس مجرد تأجيل، بل فلسفة حياة، تقوم على وهم السيطرة على الزمن، حتى ينقلب الزمن فجأة ويُغلق باب الرجوع.
وفي المقابل، لا يُقدَّم حسن الخاتمة في الإسلام بوصفه حظًا أو اصطفاءً بلا سبب، بل ثمرة يقظة دائمة، واستقامة متدرجة، ومجاهدة صامتة. التقوى ليست قفزات عاطفية، بل مسار طويل من تصحيح النية، ومحاسبة القلب، وردّ المظالم، وتجديد التوبة. لذلك كان دعاء الثبات من أعظم الأدعية، لأن الخطر الحقيقي ليس في السقوط المفاجئ، بل في الانزلاق البطيء الذي لا يشعر به صاحبه.
هكذا تتلاقى الأديان والفلسفات، قديمها وحديثها، عند حقيقة واحدة: أن الموت ليس لحظة منفصلة عن الحياة، بل خلاصة لها. غير أن التصور القرآني يمتاز بأنه وحده جمع بين العدل والرحمة، وبين التحذير والرجاء، فلم يجعل سوء الخاتمة قدرًا أعمى، ولا حسنها أمنية فارغة، بل جعلهما نتيجتين لمسار واعٍ. ومن هنا يخاطب القرآن العقل بالحجة، والقلب بالموعظة، والروح بالأمل، ليقول للإنسان: راقب طريقك، فإن النهاية صورة بدايتك، وإن المنقلب الأخير ليس إلا ما هيأت له في سرك قبل علنك.
ويبقى الدعاء الصادق، في نهاية كل هذا التأمل، هو أن لا يتركنا الله إلى أنفسنا، وأن يختم لنا بخير، وأن يجعل آخر كلامنا شهادة حق، وآخر أعمالنا صدقًا، وآخر قلوبنا سكينة، لأنه سبحانه وحده يعلم كيف تُختم الرحلات، وكيف تُكتب النهايات











طباعة
  • المشاهدات: 3904
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
25-01-2026 03:51 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم