حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,26 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5994

د.نور الدين المجالي يكتب: الأردن: داخل الخطابات… وخارج تصفية الحسابات

د.نور الدين المجالي يكتب: الأردن: داخل الخطابات… وخارج تصفية الحسابات

د.نور الدين المجالي يكتب: الأردن: داخل الخطابات… وخارج تصفية الحسابات

25-01-2026 03:50 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د.نور الدين طارق عبد القادر المجالي
تتصاعد، مع كل توتر إقليمي كبير، موجاتٌ من الخطاب الشعبوي الذي يسعى إلى تحميل الأردن أدوارًا لم يخترها، وإقحامه في معادلات صراع لا تنسجم مع واقعه ولا مع نهجه السياسي التاريخي. ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، عادت هذه الخطابات إلى الواجهة، مصحوبة بادعاءات تزعم أن الأردن بات جزءًا من التحضير لمواجهة عسكرية محتملة، أو أنه يؤدي دورًا يتجاوز حدوده الوطنية. غير أن قراءة هادئة وموضوعية للمشهد تكشف أن هذه الادعاءات تفتقر إلى الأساس السياسي والاستراتيجي.

فالأردن، منذ تأسيسه، لم يكن يومًا دولة حرب بالوكالة، ولا منصة لتصفية الحسابات الإقليمية. وعلى الرغم من التباينات الداخلية والانتقادات المشروعة لسياساته الاقتصادية أو الإدارية، فإن السياسة الخارجية الأردنية قامت على مبدأ واضح: حماية الاستقرار الوطني عبر المناورة السياسية، لا عبر المغامرة. هذا النهج، الذي قد لا يرضي دعاة الشعارات العالية، هو أحد الأسباب الرئيسية التي جنّبت البلاد الانزلاق إلى الفوضى التي ضربت محيطها الإقليمي.
ومن اللافت أن الاتهامات الموجّهة إلى الأردن تتكرر بصيغ شبه ثابتة؛ فتارة يُصوَّر وكأنه خط دفاع عن إسرائيل، وتارة أخرى يُتَّهم بتقديم دعم عسكري حاسم لها. وهي سرديات تتجاهل أبسط حقائق القوة في النظام الدولي. فإسرائيل، المدعومة أمريكيًا وغربيًا على أعلى المستويات العسكرية والتكنولوجية، لا تحتاج إلى دولة محدودة الموارد والإمكانات كي تضمن تفوقها العسكري. إن تكرار مثل هذه المزاعم لا يعكس قراءة استراتيجية بقدر ما يعكس رغبة في خلق خصم سياسي سهل.
كما أن مصادر هذا الخطاب ليست مجهولة؛ فهي غالبًا ما تصدر عن أطراف إقليمية أو تنظيمات تحمل عداءً بنيويًا للأردن، وتسعى إلى تحميله مسؤولية إخفاقاتها السياسية أو العسكرية، أو عن دول فقدت سيادتها ولم تعد قادرة على اتخاذ قرار مستقل. في هذا السياق، يصبح الأردن هدفًا مريحًا لحملات التشويه، لا لكونه فاعلًا عدوانيًا، بل لأنه دولة مستقرة في إقليم مضطرب.
والهدف الحقيقي من هذه الحملات لا يخفى على المتابعين؛ إذ يتمثل في دفع الأردن إلى مربع الاستقطاب الحاد، واستدراجه إلى صراعات مفتوحة تتناقض مع مصالحه الوطنية. غير أن التجربة أثبتت أن الدولة الأردنية تمتلك من الخبرة السياسية ما يجعلها عصيّة على هذا النوع من الابتزاز، رغم الضجيج الإعلامي الذي يروّج له بعض النشطاء بلا إدراك لحساسية التوازنات الإقليمية.
ومن الضروري التذكير بأن أي حرب محتملة، في حال اندلاعها، ستكون بين قوى كبرى تمتلك أدواتها الذاتية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإيران، مع أطراف إقليمية منخرطة مباشرة في الصراع. أما الأردن فليس طرفًا في هذه المعادلة، ولا يملك مصلحة في أن يكون كذلك. فالقدرات العسكرية الأمريكية، من حاملات الطائرات إلى القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى، تؤكد أن واشنطن لا تحتاج إلى توظيف دول محدودة الإمكانات لخوض حروبها.
كما أن الانتشار العسكري الأمريكي حول إيران يمتد من الخليج إلى تركيا والعراق وإسرائيل، ومع ذلك لا تتعرض معظم هذه الدول لحملات التشويه نفسها التي يتعرض لها الأردن. وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا حول ازدواجية الخطاب السياسي والإعلامي، ولماذا يُختزل الأردن دائمًا في دور لا يتطابق مع سياساته الفعلية.
في المحصلة، فإن الإصرار على شيطنة الأردن لا يرتبط بحقائق عسكرية أو سياسية، بقدر ما يرتبط بانزعاج بعض الأطراف من نموذج دولة اختارت الاستقرار بدل الفوضى، والعقلانية بدل المزاودة. فالأردن ليس تابعًا، ولا أداة، ولا ساحة حرب، بل دولة تدرك حدود قوتها وحدود الآخرين، وتبني سياساتها على حسابات واقعية تحمي شعبها قبل أي شيء آخر.











طباعة
  • المشاهدات: 5994
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
25-01-2026 03:50 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم