حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,26 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 3850

د.نشأت العزب يكتب: جلالة الملك يرسم إستراتيجية المستقبل الأردني

د.نشأت العزب يكتب: جلالة الملك يرسم إستراتيجية المستقبل الأردني

د.نشأت العزب يكتب: جلالة الملك يرسم إستراتيجية المستقبل الأردني

25-01-2026 03:49 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د.نشأت العزب
لم تكن الكلمات التي وردت في الدعوة الملكية الأخيرة مجرّد توجيهات عسكرية أو تعليمات تقنية لإعادة ترتيب وحدات أو تحديث تجهيزات، ما قاله جلالة الملك كان أعمق من ذلك بكثير، كان بياناً سياسياً وفكرياً عن شكل الدولة التي نحتاجها، ونمط الحياة المؤسسية التي لم يعد لدينا ترف تأجيلها، ان في جوهر تلك الرسائل، لم يكن الحديث عن الجيش وحده، بل عن الدولة كلها، عن معنى أن تبقى حيّاً في عالم لا ينتظر المترددين، ولا يحترم الكيانات الثقيلة التي تتحرك بعقلية الأمس وتواجه الغد بأدوات بالية.

لقد حملت الدعوة الملكية مفهوماً واضحاً: الرشاقة لم تعد ترفاً إدارياً، والمرونة لم تعد شعاراً نظرياً، بل شرط بقاء، العالم تغيّر، والتهديدات لم تعد تقليدية، والفرص لم تعد تمنح لمن ينتظرها، بل لمن يقتنصها، طوال عقود اعتُبر الاستقرار في منطقتنا مرادفاً للثبات، للبقاء على الحال كما هو ولحماية الهياكل القائمة مهما أصابها من ترهل، لكن هذا الفهم هو ما جرى تفكيكه بهدوء وحزم في الرسالة الملكية، فالاستقرار الحقيقي اليوم ليس ساكناً، بل ديناميكياً يتحقق بالقدرة
على التكيف، لا بالتمسّك بالروتين.

ان التحول البنيوي الذي دعا إليه جلالة الملك خلال السنوات القليلة المقبلة ليس موجهاً للمؤسسة العسكرية وحدها، بل لكل من يتخذ قراراً، ولكل من يدير مؤسسة، ولكل من يقف خلف مكتب يظن أن الزمن سيمنحه مهلة إضافية، الرسالة واضحة: الوقت لم يعد في صالح من يؤجل، ولا في صالح من يختبئ خلف الأعذار، فحين يتحدث الملك عن جاهزية الجيش لمواجهة التحديات الناشئة، فهو في الواقع يضع معياراً وطنياً جديداً للأداء العام، معياراً يقول إن المؤسسة التي لا تستطيع التفاعل مع التكنولوجيا، ومع الذكاء الاصطناعي، ومع طبيعة العالم المتسارع، لن تكون قادرة على حماية دورها أو الاستمرار فيه.

ان المشكلة الحقيقية التي تواجه الأردن، كما تواجه كثيراً من الدول، ليست نقص الموارد، بل نمط التفكير، ذلك «الترهل الذهني» الذي يرى في التغيير تهديداً، وفي الشباب مجازفة، وفي التكنولوجيا عبئاً لا ضرورة له، هذا النمط هو العدو الصامت لأي نهضة، ولو أُسقطت فلسفة التحديث الملكية على بقية القطاعات، لكانت الصورة أكثر وضوحاً: اقتصاد لا يقوم على الجباية وانتظار الدعم، بل على المبادرة، وسرعة القرار، وخلق القيمة، و تعليم لا يكدّس المعلومات، بل يصنع عقلاً قادراً على التحليل، والتفكير، والتكيّف، و إدارة تتخلى عن المركزية الخانقة، وتمنح القرار لمن هم في الميدان، حيث تتشكل الحقيقة.

ومن هنا، تبرز الحا
جة إلى مبادرة وطنية جامعة، موجّهة للقطاعين العام والخاص معاً، يمكن تسميتها: «المبادرة الملكية لأردن المستقبل».

مبادرة تقوم على مبدأ بسيط: كل مؤسسة، حكومية كانت أو خاصة، مطالبة خلال فترة زمنية محددة بإعادة هندسة طريقة عملها، لا شكلها فقط، في القطاع الحكومي، تعني هذه المبادرة مراجعة الإجراءات، تقليص حلقات القرار، تفويض الصلاحيات، وربط التقييم بالأثر لا بالالتزام الشكلي، فموظف الدولة في هذا النموذج ليس حارس ملف، بل شريك في الحل.

أما في القطاع الخاص، فالمبادرة تعني الانتقال من عقلية «النجاة» إلى عقلية «الابتكار»، شركات قادرة على التحول الرقمي، على الاستثمار في تدريب كوادرها، وعلى بناء شراكات حقيقية مع الجامعات ومراكز البحث، لا الاكتفاء باستهلاك السوق، المطلوب قطاع خاص يقود، لا ينتظر؛ يغامر بعقل، لا يخاف بلا سبب.

وتقوم المبادرة على شراكة ذكية بين الطرفين: الحكومة تفتح المسارات، تزيل العوائق، وتضع الأطر المرنة، والقطاع الخاص يضخ الأفكار، والسرعة، والتجربة، انها شراكة لا تقوم على الامتيازات، بل على الأداء والنتائج.

ان اختيار جلالة الملك للجيش كنقطة انطلاق لهذا التحول ليس مصادفة، فالمؤسسة العسكرية، بحكم انضباطها وقدرتها على التنفيذ، تمثل النموذج الأكثر جاهزية لتجسيد هذا التحول، لكنها في الوقت ذاته ترسل رسالة ضمنية: لا يمكن لمؤسسة واحدة أن تتطور داخل منظومة جامدة، فالتحديث كلٌ لا يقبل ان يتجزأ.

ما نحتاجه اليوم هو ما يمكن وصفه بـ«نقطة انطلاق نحو المستقبل إدارياً وفكرياً» نقطة انطلاق هادئة، عميقة، لا تقوم على الهدم، بل على إعادة البناء، تبدأ حين نتوقف عن الدفاع عن أخطاء الماضي باعتبارها ثوابت، وحين نعترف بأن المستقبل يحت
اج أدوات جديدة، وعقولاً أكثر جرأة، ومؤسسات أخف حركة.

الأردن، بتاريخه وجغرافيته وتحدياته و بقيادته الهاشمية الحكيمة، أثبت مراراً أنه دولة تعرف كيف تتجاوز و تحافظ على اتزانها ، فدعوة التحديث الملكية اليوم تشبه عقداً اجتماعياً جديداً، أساسه الكفاءة لا الواسطة، والقدرة لا الأقدمية، والإنجاز لا الشعارات.











طباعة
  • المشاهدات: 3850
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
25-01-2026 03:49 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم