25-01-2026 12:42 PM
بقلم : د. ممدوح الخرابشة
منذ تأسيس الدولة الأردنية الحديثةفي العشرينيات من القرن الماضي فقد شكّل الهاشميون علاقتهم بالمؤسسة العسكرية ضمن رؤية واضحة تعتبر الجيش ركيزة أساسية من ركائز الدولة - كيف لا ؟ وهو أول مؤسسة تم تأسيسها بعد وصول الأمير / الملك المؤسس عبد الله الأول إلى معان عام 1920 - وعنصراً حاسماً في استقرارها واستمرارها ، فقد تزامن بناء الجيش العربي الأردني مع تشكّل الكيان السياسي نفسه، وتطوّر كلاهما عبر محطات متعاقبة من تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية، اتسمت بالتحديات الإقليمية والتحولات الدولية المتسارعة.
وخلال هذا المسار التاريخي لعمر الأردن الحديث ، ظل تطوير الجيش العربي الأردني حاضراً في فكر ووجدان الملوك الهاشميين بوصفه خياراً استراتيجياً ثابتاً. فقد واكبت المؤسسة العسكرية مراحل بناء الدولة، وتكيفت مع متغيرات البيئة السياسية والأمنية، ما جعلها إحدى أكثر مؤسسات الدولة استقراراً وتماسكاً، وقادرة على إعادة تنظيم أدواتها وفق مقتضيات كل مرحلة تاريخية.
في هذا الإطار، تأتي أوامر جلالة القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية / الجيش العربي جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين أعز الله ملكه إلى عطوفة رئيس هيئة الأركان المشتركة ، بتوجيه إعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق لتحقيق تحول بنيوي في القوات المسلحة الأردنية خلال السنوات الثلاث المقبلة، لتشكّل محطة جديدة من محطات التحديث في تاريخ الجيش العربي الأردني. ولا يمكن قراءة هذه الأوامر بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه المنطقة، حيث تتغير مفاهيم القوة، وتتبدل طبيعة التهديدات، وتتسع ساحات المواجهة لتشمل مجالات غير تقليدية.
تعكس أوامر جلالة القائد الأعلى وهو إبن الجيش العربي وقائده الأعلى إدراكاً عميقاً بأن الجيوش المعاصرة لم تعد تُقاس بقدراتها التقليدية وحدها، بل بمرونتها التنظيمية، وكفاءتها النوعية، وقدرتها على العمل في بيئات عملياتية متعددة. ومن هنا، يبرز التركيز على إعادة الهيكلة، وتطوير العقيدة القتالية، والتوظيف الأمثل للقدرات الدفاعية والهجومية، بما ينسجم مع متطلبات الحروب الحديثة والهجينة.
كما تشير الأوامر إلى تصور شامل للأمن الوطني، يتجلى في الدعوة إلى دراسة تكامل أدوار القوات المسلحة مع وحدات حرس الحدود والدرك والشرطة الخاصة ضمن الخطط التعبوية. ويعكس هذا التوجه وعياً بطبيعة التحديات المعاصرة التي لم تعد تقف عند حدود واضحة بين العسكري والأمني، بل تتطلب تنسيقاً عالياً وتكاملاً مؤسسياً في إدارة المخاطر والتهديدات.
وتحمل الأوامر الملكية بعداً مهماً في ما يتعلق ببناء قوات الاحتياط وتعزيز منظومة الإسناد اللوجستي، بما يضمن انسيابية خطوط الإمداد واستدامة الجاهزية. فهذه العناصر، وإن بدت تقنية في ظاهرها، تشكّل في جوهرها الأساس الذي تقوم عليه قدرة أي جيش على الاستمرار والتكيف في مختلف الظروف.
ومن جانب آخر، تبرز دلالة واضحة لإهتمام جلالته بالبحث العلمي والصناعات الدفاعية، من خلال إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير وتعزيز إمكانياته. ليعكس هذا التوجه إدراكاً متقدماً لأهمية امتلاك المعرفة والتكنولوجيا كجزء من منظومة القوة الشاملة، ومواكبة التحولات المتسارعة في مجال التصنيع العسكري والتقنيات الدفاعية الحديثة.
كما لا تغفل أوامر القائد الأعلى أهمية الحوكمة الرشيدة في إدارة الموارد العسكرية والاستثمارية، من خلال الدعوة إلى إعادة هيكلة الصناديق والشركات التابعة للقوات المسلحة، بما يتماشى مع أعلى المعايير المهنية. ويؤكد هذا البعد أن التحديث لا يقتصر على الميدان العسكري، بل يشمل أنماط الإدارة والتخطيط والاستثمار، وينبع ذلك كله من السنوات التي قضاها جلالة القائد الأعلى قبل تسلمه سلطاته الدستورية خلفاً للمغفور له جلالة الملك الباني الحسين بن طلال طيب الله ثراه ، فقد كان حفظه الله ضابط دروع في بداية خدمته في القوات المسلحة ثم قائداً للقوات الخاصة الملكية / العمليات الخاصة لاحقاً – حيث تشرفت بالخدمة بمعية جلالته ، فهو على الأرض القائد الأعلى للقوات البرية وفي السماء القائد الأعلى لسلاح الجو وفي البحر القائد الأعلى للقوة البحرية الملكية ليصبح بذلك كله القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية / الجيش العربي والأجهزة الأمنية ، وبذلك فهو ملم وبشكل كامل بكل ما تحتاجه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من تحديث وتطوير بمختلف المجالات .
خلاصة القول، تمثل أوامر القائد الأعلى محطة مفصلية في مسار الجيش العربي الأردني والأجهزة الأمنية ، وتعبيراً عن رؤية دولة تدرك أن صيانة قوتها تتطلب مراجعة مستمرة، واستعداداً للتطوير، وقدرة على استشراف المستقبل. وهي أوامر تعكس تراكماً تاريخياً في إدارة الشأن العسكري، وتؤكد أن المملكة الأردنية الهاشمية، عبر محطاتها المتعاقبة، ما زالت تعيد صياغة أدوات قوتها بهدوء واتزان، في عالم تتغير فيه ملامح القوة ومعانيها بشكل مستمر .
وفي الختام أقول : حفظ الله الوطن وجلالة القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبد الله الثاني والعائلة الهاشمية الكريمة وقواتنا المسلحة الباسلة والأجهزة الأمنية والشعب الأردني العظيم من كل سوء .
العقيد المتقاعد الدكتور ممدوح عبد الحليم الخرابشة
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
25-01-2026 12:42 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||