22-01-2026 10:29 AM
بقلم : الدكتور علي الصلاحين
في عالمٍ سريع الإيقاع، مزدحم بالمطالب والضغوط، أصبح تقلّب المزاج تجربة يومية يعيشها كثير من الناس. إشعارات لا تتوقف، مقارنات مستمرة عبر وسائل التواصل، قلق مهني، وتوتر علاقات… كل ذلك يجعل النفس في حالة استنفار دائم، فتنتقل سريعًا بين الحماس والإنهاك، وبين الرضا والضيق. هذه المزاجية المعاصرة لا تعني ضعفًا في الإيمان ولا خللًا أخلاقيًا بقدر ما تعكس إنسانًا يعيش فوق طاقته النفسية.
القرآن يعترف بهذه الحقيقة الإنسانية بوضوح وواقعية، فيقول: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾، ثم يشرح هذا الهلع بأنه جزع عند الشدة، متقلب عند الرخاء، وكأن الآيات تصف الإنسان المعاصر الذي ينهكه الضغط ويستفزه أدنى خلل. لكن القرآن لا يترك الإنسان في هذا الوصف، بل يفتح له باب الاتزان بقوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾، أي أولئك الذين يملكون لحظات اتصال تعيدهم إلى مركزهم الداخلي وسط الفوضى.
وفي زمن يُطلب فيه من الإنسان أن يكون منتجًا طوال الوقت، تأتي الآية: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ لا كإنكار للمشاعر، بل كدعوة لعدم الاستسلام لها. فالحزن في ذاته ليس المشكلة، وإنما تحوّله إلى حالة دائمة تُعطّل الفعل وتشوّه الرؤية. ولهذا يربط القرآن الضيق النفسي بالابتعاد عن المعنى العميق للحياة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾، والمعيشة الضنك اليوم قد تكون راتبًا جيدًا مع قلق دائم، أو علاقات كثيرة مع شعور داخلي بالفراغ.
ويضع القرآن مبدأ بالغ الواقعية في إدارة الانفعالات، فيمدح من يملكون مشاعرهم دون إنكارها: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، فالكظم ليس كبتًا مؤذيًا، بل وعيًا يؤخر الانفجار حتى لا يتحول الغضب إلى خسارة علاقة أو قرار متهور. وهذا يتقاطع مع ما يؤكده علم النفس المعاصر من أن المشكلة ليست في الشعور، بل في طريقة التعبير عنه.
وحين تتكرر التقلبات المزاجية حتى تبدأ بإفساد العلاقات والعمل والحياة اليومية، يذكّرنا القرآن بمسؤولية الإنسان عن داخله: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، وبأن التغيير يبدأ من الداخل قبل أي حل خارجي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فالوعي بالمشكلة وطلب المساعدة ليس ضعفًا، بل خطوة نضج.
في النهاية، لا يعدنا القرآن بنفوس لا تتقلب، بل يعلّمنا كيف نعيش هذا التقلب دون أن نفقد أنفسنا. فالطمأنينة التي يشير إليها قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ليست انسحابًا من الواقع، بل عودة إلى نقطة اتزان تسمح لنا بأن نواجه واقعنا المعاصر بوعي، وحدود صحية، ورحمة أكبر بأنفسنا وبالآخرين.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
22-01-2026 10:29 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||