حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,19 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4551

د. زياد جلال الحنفي يكتب: هل نُحدّث التعليم… أم نتركه يتآكل بصمت؟

د. زياد جلال الحنفي يكتب: هل نُحدّث التعليم… أم نتركه يتآكل بصمت؟

د. زياد جلال الحنفي يكتب: هل نُحدّث التعليم… أم نتركه يتآكل بصمت؟

19-01-2026 02:50 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. زياد جلال الحنفي
في كل مجتمع، هناك مؤسسات تشبه الأعمدة التي يقوم عليها البيت الكبير: الصحة، والاقتصاد، والأمن… لكن يبقى التعليم هو العمود الذي إن اهتزّ اهتزّت معه بقية الأعمدة، وإن سقط انهار البناء كلّه. ومع ذلك، يبدو أننا اعتدنا التعامل معه كأنه شأن ثانوي، أو ملف يمكن ترحيله إلى الغد دون خسائر. لكن الحقيقة التي نخشى الاعتراف بها هي أن التعليم لا ينتظر، وإذا لم نُحدّثه نحن… فسيتركه الوقت ليتآكل بصمت.

منذ سنوات، والعالم يتغير بسرعة تفوق خيال صانعي السياسات؛ تُولد أدوات رقمية جديدة كل يوم، وتتشكّل وظائف لم نسمع بها من قبل، وتذوب الحدود بين المعرفة والتكنولوجيا. وفي خضمّ هذا كله، يبقى سؤال مُلحّ يطرق أبواب العقول: هل مدارسنا وجامعاتنا جاهزة لهذا العالم؟ وهل يكفي أن نغيّر المناهج، أو نضيف حصصًا رقمية، لنقول إننا نُحدّث التعليم؟
الحقيقة المؤلمة أن واقع التعليم في الكثير من دولنا يعيش مفارقة قاسية: نطالب المعلم بأن يكون مُلهِمًا ومبتكرًا، بينما نحاصره بأنظمة تقليدية؛ نريد من الطالب أن يفكّر، وينقد، ويبدع، بينما نقدّم له محتوى يُحفظ أكثر مما يُفهم؛ ونتحدث عن التحول الرقمي، بينما ما زالت بيئات التعلم تعاني نقص البنية، وضعف التدريب، وغياب رؤية واضحة للمستقبل.
إن تحديث التعليم ليس رفاهية، ولا شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل ضرورة وجودية. فالتعليم الحديث ليس مجرد «كمبيوتر في الصف»، أو منصة إلكترونية تُستخدم عند الحاجة. التعليم الحديث هو فلسفة تُعيد تشكيل العلاقة بين المعرفة والإنسان، وتفتح المجال للتجربة، وتسمح بالفشل كما تسمح بالنجاح، وتشجّع التعلم الذاتي، وتُدرّب على التفكير لا على الطاعة. لكن أخطر ما يواجه التعليم اليوم ليس التحديات التقنية… بل الصمت؛ الصمت الذي يجعلنا نقبل التآكل كأنه شيء طبيعي، وصمت الإدارات التي تخشى الاعتراف بالخلل، وصمت المجتمعات التي تعاني من نتائج تراجع التعليم لكنها تفضّل التأقلم بدل المواجهة، وصمت المعلمين الذين تعبوا من المطالبة ولم يُمنحوا ما يستحقون من تمكين واعتراف.
إننا اليوم أمام مفترق طرق: إمّا أن نستمر بترقيع نظام قديم حتى يغرق، أو نمتلك جرأة إعادة البناء من جديد؛ إمّا أن نحفظ أبناءنا داخل أسوار التعليم التقليدي، أو نفتح لهم أبواب عالم سيعيشون فيه لا في الماضي.
التعليم بحاجة إلى رؤية جديدة، إلى قيادة تفهم أن المدرسة ليست مبنى، بل مصنع وعي، وإلى سياسات تنقلنا من الحفظ إلى الفهم، ومن الامتحان إلى الكفاءة، ومن التلقين إلى الابتكار.
نعم، تحديث التعليم يحتاج جهدًا، ووقتًا، ومالًا… لكنه أقل كلفة بكثير من انهياره. فالأمم لا تتآكل فجأة، بل يبدأ التآكل من الصفوف الأولى: من روح طالب كره المدرسة، ومن معلم فقد الشغف، ومن جيل يخرج إلى العالم وهو غير مستعد له.
السؤال الذي يجب أن نواجهه بشجاعة ليس: هل نستطيع تحديث التعليم؟ بل: هل نملك رفاهية تجاهله؟ وإن لم نتحرك الآن… فمتى؟
في النهاية، قد نختلف على السياسات والتفاصيل، لكننا نتفق جميعًا على حقيقة واحدة:
أن مستقبلنا يبدأ من مقعد صغير في الصف، وأن مصير الأمم يُكتب بخط يد معلم، وأن التعليم إن تُرك ليتآكل، لن ينهار وحده، بل سيأخذ معه كل شيء.











طباعة
  • المشاهدات: 4551
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
19-01-2026 02:50 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل ينجح ترامب من خلال محاكمة مادورو في إثبات قانونية العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم