18-01-2026 08:37 AM
بقلم : الدكتور علي فواز العدوان
لم تعد التحولات الجارية في الاقتصاد الأميركي شأناً داخلياً يخص واشنطن وحدها، بل أصبحت مؤشراً على مرحلة انتقالية عميقة في بنية النظام المالي العالمي. فالنقاش المتصاعد حول إعادة تسعير الذهب الأميركي المخزن منذ عقود، بالتوازي مع تسارع مشاريع الدولار الرقمي، يعكس محاولة لإعادة هندسة قواعد القوة النقدية الدولية في لحظة يشهد فيها الدولار تحديات غير مسبوقة بفعل التضخم، وتضخم الديون، وصعود العملات المنافسة.
هذه التحولات، في جوهرها، ليست تقنية بحتة، بل سياسية–استراتيجية بامتياز، وتمتد آثارها المباشرة إلى الاقتصادات العربية، وعلى رأسها الاقتصاد الأردني، بحكم انكشافه البنيوي على النظام المالي الدولي، وارتباطه الوثيق بالدولار وأسواق التمويل العالمية.
إن إعادة تسعير الذهب الأميركي، إن حصلت، ستشكل رسالة مزدوجة: من جهة محاولة لترميم الثقة بالعملة الأميركية عبر تعزيز الغطاء المالي غير المعلن، ومن جهة أخرى اعتراف ضمني بتآكل القيمة الحقيقية للدولار خلال العقود الماضية. هذه الخطوة، وإن بدت محاسبية في ظاهرها، إلا أنها تحمل مخاطر هيكلية، إذ قد تطلق موجة عالمية لإعادة تموضع الاحتياطيات النقدية نحو الذهب، وهو ما بدأ بالفعل في سياسات الصين وروسيا وعدد من الاقتصادات الصاعدة.
بالنسبة للدول العربية، فإن عودة الذهب إلى قلب المعادلة النقدية الدولية تطرح سؤالاً جوهرياً حول بنية الاحتياطيات الرسمية، وجدوى الاستمرار في الارتهان شبه الكامل للعملات الورقية، في وقت تتزايد فيه هشاشة النظام المالي العالمي. أما الأردن، الذي يدير سياسة نقدية محافظة قائمة على استقرار سعر الصرف والثقة بالدينار، فسيكون معنيّاً أكثر من غيره بمراقبة هذه التحولات، لما لها من أثر مباشر على كلفة الاستيراد، ومستويات التضخم، وتدفقات الاستثمار الخارجي.
أما الدولار الرقمي، فلا يمكن قراءته باعتباره مجرد تطور تقني في أنظمة الدفع، بل بوصفه أداة لإعادة إنتاج الهيمنة النقدية الأميركية بوسائل أكثر تطوراً. فالدولار الرقمي يمنح السلطات الأميركية قدرة غير مسبوقة على تتبع حركة الأموال عالمياً، وإعادة ضبط منظومة العقوبات، والتحكم في السيولة العابرة للحدود، بما يحول العملة من وسيط تبادل اقتصادي إلى أداة سيادية استراتيجية.
هنا تبرز الإشكالية العربية بوضوح: فاقتصادات المنطقة تعتمد بشكل كبير على الدولار في التجارة الخارجية، وتسعير الطاقة، والاحتياطيات النقدية، ما يجعلها عرضة لأي إعادة هندسة في النظام النقدي الأميركي. وفي حال جرى تعميم الدولار الرقمي دولياً، دون بناء أطر سيادية عربية موازية أو أنظمة دفع إقليمية مستقلة نسبياً، فإن الفجوة في الاستقلال المالي قد تتسع بدل أن تضيق.
الأردن، في هذا السياق، يواجه معادلة دقيقة: الحفاظ على استقرار نقدي داخلي في ظل نظام عالمي يتغير بسرعة، دون الدخول في مغامرات نقدية غير محسوبة. وهذا يفرض على صانع القرار المالي الأردني توسيع هامش التنويع في أدوات التحوّط، وتعزيز إدارة المخاطر الخارجية، والانخراط بذكاء في التحولات الرقمية المالية، دون التفريط بأسس الاستقرار النقدي التي شكلت على الدوام أحد أعمدة الأمن الاقتصادي الوطني.
أما على المستوى العربي الأوسع، فإن هذه التحولات تفرض مراجعة شاملة لمفهوم السيادة النقدية، ولموقع الاقتصادات العربية في النظام المالي الدولي القادم. فالاعتماد المفرط على الدولار، في عالم يتجه نحو التعددية النقدية، لم يعد خياراً آمناً بالمعنى الاستراتيجي، كما أن تأخر بناء منصات دفع عربية، أو أطر تعاون نقدي إقليمي، سيجعل المنطقة أكثر عرضة لارتدادات التحولات الكبرى التي لا تصنعها، لكنها تدفع أثمانها.
الخلاصة أن إعادة تسعير الذهب الأميركي، وإطلاق الدولار الرقمي، ليستا مجرد أدوات تقنية لإدارة الاقتصاد الأميركي، بل تعبير عن محاولة لإعادة ترتيب النظام المالي العالمي في لحظة تراجع اليقين الاستراتيجي. وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح على الأردن والعالم العربي الانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفاعل، عبر بناء سياسات نقدية أكثر مرونة، وتنويع الشراكات المالية، وتعزيز الاستقلال النسبي في أدوات الدفع والتسوية.
فالعالم يدخل مرحلة ما بعد الهيمنة النقدية الأحادية، ومن لا يعيد تموضعه اليوم، قد يجد نفسه غداً خارج معادلة التأثير، حتى لو بقي داخل دائرة التبعية.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
18-01-2026 08:37 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||