17-01-2026 08:35 AM
بقلم : صائب عارف
في عالمٍ يفترض أن تحكمه القوانين وتضبطه المواثيق الدولية، يبدو المشهد اليوم وكأن لغة القوة هي الحكم الفصل في العلاقات بين الدول. فكلما اندلع نزاع أو تفجّرت أزمة، تتراجع المبادئ القانونية والإنسانية خطوة إلى الخلف، لتتقدم المصالح العسكرية والسياسية للدول الكبرى إلى الواجهة، دون رادع حقيقي أو محاسبة عادلة.
لقد نشأت القوانين الدولية والمنظمات الأممية بعد حروب مدمّرة، وكان الهدف منها منع تكرار المآسي، وحماية الشعوب من تغوّل القوة. غير أن الواقع أثبت أن هذه القوانين، على أهميتها النظرية، تفتقر إلى آليات تنفيذ حازمة، خصوصًا عندما يكون الطرف المنتهك دولة قوية أو مدعومة من قوى نافذة في النظام الدولي. وهنا تتجلى المفارقة: القانون موجود، لكن تطبيقه انتقائي.
إن استخدام حق النقض في مجلس الأمن، وازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات، جعلا كثيرًا من الشعوب تفقد ثقتها بالمنظمات الدولية. فجرائم تُدان في مكان، وتُبرَّر أو يُصمت عنها في مكان آخر، وفقًا لهوية الفاعل وموقعه في ميزان القوة العالمي. وبهذا، يتحول القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة سياسية تُستخدم عند الحاجة وتُهمَل عند التعارض مع المصالح.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن القانون الدولي عديم الجدوى بالكامل. فآثاره قد لا تكون فورية، لكنها تتراكم مع الزمن. العزلة الدولية، العقوبات الاقتصادية، تآكل الشرعية الأخلاقية، وتغيّر مواقف الرأي العام العالمي، كلها نتائج لاحقة لتجاهل القانون. وقد أثبت التاريخ أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع استقرارًا دائمًا، وأن الدول التي اعتمدت على البطش دون شرعية دفعت ثمن ذلك لاحقًا.
الخلاصة أن المشكلة لا تكمن في غياب القوانين، بل في غياب العدالة في تطبيقها. وما لم يُعاد بناء النظام الدولي على أساس المساواة في المحاسبة، فإن لغة القوة ستظل أعلى صوتًا من لغة القانون. أما الأمل، فيبقى معقودًا على وعي الشعوب، وضغط الرأي العام، وإرادة دولية حقيقية تعيد للقانون مكانته، لا كخيار انتقائي، بل كمرجعية ملزمة للجميع.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
17-01-2026 08:35 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||