حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الجمعة ,9 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6564

فيصل تايه يكتب: اليمن اليوم .. قراءة في خريطة النفوذ وتحولات السيطرة

فيصل تايه يكتب: اليمن اليوم .. قراءة في خريطة النفوذ وتحولات السيطرة

فيصل تايه يكتب: اليمن اليوم  ..  قراءة في خريطة النفوذ وتحولات السيطرة

08-01-2026 09:17 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : فيصل تايه
في ظل المتابعة الدقيقة للتطورات المتسارعة والمتلاحقة التي تشهدها اليمن خلال الفترة الأخيرة، استوقفني على نحو خاص تعقيد خريطة النفوذ وتداخل القوى المحلية والإقليمية، وهو ما دفعني للعودة إلى عدد من المراجع والتحليلات المتخصصة، في محاولة لفهم ما يجري على الأرض بعيداً عن التبسيط أو الأحكام الجاهزة.

فاليمن اليوم يعيش واحدة من أكثر مراحله حساسية، إذ لم تعد الصورة قابلة للقراءة من زاوية واحدة، ولا يمكن اختزال المشهد في طرفين متقابلين ، فما يجري هو نتاج سنوات من التراكمات السياسية والعسكرية، ومن تداخل المحلي بالإقليمي، في بلد تحول بفعل الحرب والانقسام إلى خارطة نفوذ متعددة، أكثر منه دولة موحدة القرار.

من ينظر إلى اليمن الآن يدرك أن السلطة لم تعد متمركزة في مركز واحد، بل موزعة بين قوى مختلفة، لكل منها أدواتها ومناطق حضورها وحساباتها ، ففي الشمال، يفرض الحوثيون سيطرة فعلية على محافظات واسعة تشمل صنعاء، صعدة، عمران، ذمار، وأجزاء من حجة، حيث يديرون مؤسسات الدولة والخدمات العامة كسلطة أمر واقع، ويمتلكون قوة عسكرية تمكنهم من التأثير في مناطق حدودية مع السعودية، إلى جانب حضورهم في مناطق متنازع عليها مثل تعز وشبوة ، اذ أن هذه السيطرة لا تعكس فقط واقعاً عسكرياً، بل تمنح الجماعة قدرة على إدارة الموارد وفرض السياسات بما يخدم رؤيتها طويلة المدى.

في المقابل، تظل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً حاضرة بقدرات متفاوتة، تتركز في محافظات مثل تعز، شبوة، مأرب، وأجزاء من حضرموت، حيث تحاول إعادة بناء مؤسسات الدولة وتنسيق القوى المسلحة وإدارة المرافق الحيوية ، غير أن هذا الحضور يظل محكوماً بتوازنات معقدة بين متطلبات الداخل وحسابات الدعم الإقليمي، في محاولة لتثبيت مفهوم الدولة في مواجهة سلطات الأمر الواقع.

أما في الجنوب، فالمشهد أكثر تداخلاً وحساسية ، حيث يسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظات مثل عدن وأبين ولحج، مستفيداً من دعم إماراتي لعب خلال السنوات الماضية دوراً مهماً في تثبيت الأمن، خصوصاً في ملفات السواحل والموانئ والممرات البحرية ، لكن وفي تطور لافت، أعلنت دولة الإمارات إنهاء وجودها العسكري المباشر وسحب فرقها الميدانية المتبقية، في خطوة وُصفت بأنها إعادة تموضع وتقييم للمرحلة، مع استمرار التأثير عبر الشركاء المحليين، بما يحافظ على الاستقرار دون حضور مباشر على الأرض.

وعلى اثر ذلك ، أعلن المجلس الانتقالي مرحلة انتقالية تمتد لسنتين لتقييم الوضع السياسي في الجنوب، في محاولة لإعادة ترتيب الأولويات وإدارة الواقع القائم بعيداً عن الصدام ، وفي الوقت نفسه، تحتفظ قوى محلية وقبلية في محافظات مثل حضرموت والمهرة بهامش من الاستقلالية في القرار المحلي وإدارة الموارد، مع ميل واضح للحفاظ على التوازنات التقليدية والسلم المحلي، بعيداً عن الانخراط في نزاعات كبرى.

غير أن هذا الإعلان لم يبق في إطاره النظري طويلاً ، إذ سرعان ما دخل حيز الاختبار العملي على الأرض ، فقد شهد الجنوب خلال الأيام الماضية تطورات ميدانية وسياسية عميقة، تمثلت في تصاعد التوتر بين المجلس الانتقالي والسلطة الشرعية المدعومة من السعودية، عقب تعثر مسار الحوار السياسي، ورفض قيادة الانتقالي الانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة.

وترافقت هذه الخلافات مع تحركات عسكرية متسارعة، أسفرت عن تراجع سيطرة الانتقالي في عدد من المواقع، ودخول قوات موالية للحكومة، والمدعومة سعودياً ، إلى مدينة عدن ومحيطها، واختفاء عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي ما شكل تحولاً نوعياً في معادلة السيطرة داخل العاصمة المؤقتة.

هذا التحول لم يكن مجرد تغيير ميداني محدود، بل حمل دلالات سياسية أوسع، إذ ترافق مع إجراءات سياسية ضد قيادة المجلس الانتقالي، وتزايد الحديث عن إعادة ضبط المشهد الجنوبي بما ينسجم مع أولويات التحالف، وسط مخاوف حقيقية من انزلاق الجنوب نحو جولة جديدة من الصراع الداخلي ، كما ألقى ذلك بظلاله على الشارع الجنوبي نفسه، الذي وجد نفسه أمام مشهد مرتبك تتداخل فيه الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية، وتُستخدم فيه الورقة العسكرية كوسيلة ضغط سياسي أكثر منها مساراً للحسم.

لقد برز الدور السعودي بوصفه أحد أكثر الأدوار تأثيراً في المشهد اليمني، خصوصاً في الشمال والشرق، وصولاً إلى الجنوب في هذه المرحلة ، فالسعودية تركز على حماية حدودها، وتأمين المناطق الاستراتيجية مثل مأرب، الجوف، وحضرموت الغربية، ومنع أي تهديدات أمنية مباشرة، مع السعي لضبط إيقاع القوى المحلية بما يحول دون تفكك المعسكر المناهض للحوثيين.

من الواضح ان الرياض تعتمد مقاربة متعددة الأدوات، تجمع بين الدعم العسكري للحكومة اليمنية، والتنسيق الأمني والدبلوماسي، بما يمنحها قدرة على التأثير في توازنات الداخل اليمني، والسعي للحفاظ على الدولة ككيان موحد، رغم تعقيدات الواقع وتعدد مراكز النفوذ.

اعود الى القول ان الصراع في اليمن، اليوم، لم يعد صراع سلطة تقليدي بقدر ما أصبح صراع توقيت ومسارات ، فكل طرف يتحرك بناء على ما يعتقد أنه قادم، لا فقط على ما هو قائم، وهو ما يفسر سرعة التحركات، وحدة الخطاب، وتداخل السياسي بالعسكري في لحظة واحدة، خصوصاً في الجنوب الذي تحول إلى ساحة اختبار لمعادلات ما بعد الحرب أكثر من كونه ملفاً محسوماً.

انا اقول ان الإشكالية الأساسية لا تكمن في تعدد النفوذ بحد ذاته، بل في غياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب هذا التعدد وتحويله من عنصر صراع إلى عامل توازن ، فاليمن يدفع ثمن ضعف الدولة أكثر مما يدفع ثمن تعدد اللاعبين، إذ إن الفراغ هو ما يسمح بتضخم النفوذ وتكريس الانقسامات.

ختاماً فإن القراءة الواقعية لما يحدث تفرض الاعتراف بأن اليمن بات مساحة تتقاطع فيها سلطات أمر واقع، قوى سياسية، ونفوذ إقليمي، فوق أرض مثقلة بالأزمات الإنسانية والاقتصادية ، ومع أن خرائط السيطرة قد تتغير بسرعة، كما حدث مؤخراً في الجنوب، فإن التحدي الحقيقي سيبقى في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة، ولو كإطار جامع أولًا، لأن المواطن اليمني يظل، في نهاية المطاف، الخاسر الأكبر من استمرار هذا المشهد المفتوح على كل الاحتمالات.
والله الموفق











طباعة
  • المشاهدات: 6564
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
08-01-2026 09:17 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل ينجح ترامب من خلال محاكمة مادورو في إثبات قانونية العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم