حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,8 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5307

المجالي يكتب: كيف تحوّل القانون الدولي إلى إجراء شكلي؟

المجالي يكتب: كيف تحوّل القانون الدولي إلى إجراء شكلي؟

 المجالي يكتب: كيف تحوّل القانون الدولي إلى إجراء شكلي؟

06-01-2026 10:04 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د.نور الدين طارق عبد القادر المجالي
أُنشئ القانون الدولي لتنظيم سلوك الدول في ما بينها، والحدّ من استخدام القوة، من خلال قواعد قانونية مشتركة يُفترض أن تكون ملزمة للجميع. وقد تمثّل الهدف الأساسي منه في إخضاع العلاقات الدولية لمنطق القانون بدلًا من منطق القوة، بما يضمن قدرًا من العدالة والاستقرار في النظام الدولي. غير أنّ التطورات العملية في السياسة الدولية أظهرت أن هذا الهدف لم يتحقق على النحو المأمول، إذ بات القانون الدولي حاضرًا بقوة في النصوص والمواثيق، لكنه ضعيف الأثر في الواقع العملي.
ويعود ذلك، في جانبٍ كبير منه، إلى طبيعة النظام الدولي نفسه، الذي يقوم على غياب سلطة عليا قادرة على فرض الالتزام بالقواعد القانونية. ففي هذا النظام، تظل الدول، ولا سيما الكبرى منها، هي الفاعل الأساسي، وهي التي تحدد متى تلتزم بالقانون ومتى تتجاهله. ونتيجة لذلك، تحوّل القانون الدولي من أداة ملزمة إلى إطار شكلي يُستخدم في الخطاب السياسي أكثر مما يُستخدم في ضبط السلوك الفعلي.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول الانتقائية في تطبيق القانون الدولي؛ فالعقوبات والإجراءات القانونية تُفرض، في كثير من الأحيان، على دول ضعيفة أو محدودة النفوذ، بينما تُستثنى دول أخرى رغم ارتكابها أفعالًا مشابهة. وقد أدى هذا التفاوت في التطبيق إلى إضعاف مبدأ المساواة بين الدول، وأعطى انطباعًا بأن القانون الدولي لا يُطبَّق وفق قواعد عامة، بل وفق اعتبارات سياسية وموازين قوة.
كما تُظهر بنية المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، حدود فاعلية القانون الدولي. فالمجلس يمتلك صلاحيات واسعة لحفظ السلم والأمن الدوليين، إلا أن حق النقض الممنوح لبعض الدول يسمح بتعطيل القرارات، حتى في القضايا الخطيرة. وقد أدى ذلك إلى شللٍ متكرر في مواجهة الأزمات والنزاعات، ما جعل القواعد القانونية قائمة من حيث النص، لكنها معطَّلة من حيث التنفيذ.
وينسحب هذا الضعف أيضًا على القضاء الدولي؛ إذ إن صدور قرارات أو مذكرات توقيف لا يعني بالضرورة تنفيذها. فتنفيذ هذه القرارات يعتمد، في النهاية، على تعاون الدول، وهو تعاون غالبًا ما يغيب عندما تتعارض القرارات مع مصالح دول قوية. وبهذا، تصبح العدالة الدولية ممكنةً نظريًا، لكنها محدودة عمليًا، الأمر الذي يُضعف الثقة بقدرتها على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
إلى جانب ذلك، برز اتجاه متزايد نحو الاكتفاء بالبيانات والتصريحات الرسمية بدل اتخاذ إجراءات قانونية فعلية. ففي كثير من النزاعات، تُستبدل التدابير الملزمة بتعبيرات عن الإدانة أو “القلق”، ما يحوّل القانون الدولي إلى خطاب أخلاقي رمزي يفتقر إلى أدوات الإلزام. ويؤدي هذا السلوك إلى إفراغ القانون من مضمونه العملي، ويعزز صورته بوصفه إجراءً شكليًا لا أكثر.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن تحوّل القانون الدولي إلى إجراء شكلي لا يعود إلى ضعف نصوصه أو غموض قواعده، بل إلى خضوعه لمنطق القوة في النظام الدولي. فالقانون موجود، لكن تطبيقه غير متساوٍ، وآليات إنفاذه محدودة، ومؤسساته خاضعة، بدرجات متفاوتة، لإرادة الدول الكبرى.
وفي الختام، يبقى القانون الدولي إطارًا مهمًا من الناحية المعيارية، لكنه يفتقر إلى الفاعلية ما لم تُعالج الفجوة بين النص والتطبيق. واستعادة دوره الحقيقي تتطلب تعزيز مبدأ المساواة بين الدول، وتقوية آليات الإنفاذ، والحدّ من هيمنة المصالح السياسية على تطبيق القواعد القانونية، بحيث يصبح القانون الدولي أداةً حقيقية لضبط السلوك الدولي، لا مجرد غطاء شكلي للعلاقات الدولية.







وسوم: #مجلس




طباعة
  • المشاهدات: 5307
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
06-01-2026 10:04 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل ينجح ترامب من خلال محاكمة مادورو في إثبات قانونية العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم