حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,8 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5343

مهند العنقي يكتب: سيادة الخيارات الذكية ،،، درس كاراكاس للعالم

مهند العنقي يكتب: سيادة الخيارات الذكية ،،، درس كاراكاس للعالم

مهند العنقي يكتب: سيادة الخيارات الذكية ،،، درس كاراكاس للعالم

06-01-2026 10:03 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : مهند العنقي
في فجر الثالث من يناير 2026 ،،، لم تكن دوي الإنفجارات في سماء كاراكاس مجرد ضربة عسكرية لنظام حاكم ،،، بل كانت دقة مطرقة تسجل سابقة من نوع جديد في سجل العلاقات الدولية ،،، لقد حولت واشنطن تهديداتها الطويلة إلى فعل ملموس ،،، متجاوزة بذلك كل الأطر القانونية والدبلوماسية التي ظلت لعقود رغم ما يعتريها من نقص ،،، هذا الفعل لم ينزع الشرعية عن نظام محدد فحسب ،،، بل نفخ روحا جديدة في عقيدة مونرو العتيقة ،،، معلنا أن حق التدخل المباشر وحيد الجانب قد عاد إلى الواجهة كخيار إستراتيجي سهل التنفيذ ،،، إن السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه اللحظة ليس عن مصير فنزويلا فقط ،،، بل عن مصير كل دولة تجد نفسها يوما ما في مرمى قرار منفرد ،،، يصدر عن عاصمة تعتبر نفسها وصية على العالم ،،، وفي قراءة متأنية لخريطة الردود الدولية ،،، نجد أن المشهد كان أكثر تعقيدا من مجرد صمت مطبق ،،، لقد كشفت ردود الفعل عن تشريح حي للحسابات الباردة التي تحرك الدول ،،، فالصين الحليف الإقتصادي الأكبر لكاراكاس ،،، إكتفت بإدانات دبلوماسية محسوبة ،، مقدمة مصالحها التجارية والطاقية الضخمة على أي موقف مبدئي قد يعرقل مسار صعودها السلمي الطويل ،،، وموسكو التي لم تتوان عن إرسال مقاتليها ومعداتها في السابق ،،، وجدت قدراتها ممتدة إلى أقصى حد في ساحتي أوكرانيا وسوريا ،، فكان ردها اللفظي إلحاد نابع من إدراكها العميق لحدود نفوذها الفعلي ،،، أما أوروبا العجوز فعاد إنقسامها التاريخي إلى الواجهة ،،، شرق يرى في التحالف الأطلسي خط الدفاع الأول ،،، وغرب يتخوف من سابقة تسمح بمس شرعية دوله ذات سيادة ،،، كان الدرس واضحا ،،، في ساعة الحقيقة تذوب التحالفات الأيديولوجية وتظهر تحالفات المصالح العارية ،،، لم يتخلى أحد عن مبادئه بل ببساطة رتب كل طرف أولوياته ،،، إزاء هذه السابقة الخطيرة فإن البكاء على أطلال النظام الدولي ،،، أو الإنكفاء في إستسلام مرير هما خياران غير مجديين ،،، المطلوب هو هندسة إستجابة إستراتيجية ذكية ،،، تعيد تعريف مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين ،،، لا تكفي السيادة كشعار ،،، بل يجب بناؤها كحقيقة قائمة على أربعة أعمدة مترابطة ،،، العمود الأول هو تحصين الداخل ،،، وذلك ببناء مجتمع متماسك عبر عدالة حقيقية ،،، ومؤسسات دولة رشيدة تحد من ذرائع التدخل الإنساني ،،، وبنى تحتية حيوية محصنة ضد الحصار ،،، فالتماسك الداخلي هو أقوى حصن ضد عوامل الإختراق ،،، العمود الثاني هو تنويع التحالفات والخروج من دائرة التبعية الأحادية ،،، يجب نسج شبكة معقدة من المصالح الإقتصادية والعسكرية مع أطراف متنافسة ،،، بحيث يصبح زعزعة إستقرار هذه الدولة خسارة لكل الأطراف ،،، حين تصبح الدولة عقدة في شبكة مصالح عالمية تزيد تكلفة الإعتداء عليها ،،، أما العمود الثالث فهو تطوير أدوات ردع ذاتي تجعل الثمن باهظا ،،، وهذا لا يعني بالضرورة بناء جيش تقليدي ضخم ،،، بل الإستثمار في قدرات ردعية غير متماثلة كالحرب الإلكترونية والدرونز ،،، والقدرات غير التقليدية التي تخلق توازن رعب مصغر ،،، والعمود الرابع والأخير هو خوض معركة دبلوماسية وقانونية هجومية ،،، يجب توثيق السابقة وفضحها في كل محفل دولي ،،، والعمل على بناء تحالفات أغلبية في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار قرارات ترفض مبدأ التدخل الأحادي ،،، والسعي الدؤوب لإصلاح نظام الأمن الجماعي الفاشل ،،، إن الهدف هو تحويل هذه السابقة من إنتصار عسكري سهل للقوة العظمى إلى عبئ سياسي وقانوني دائم عليها ،،، لقد ماتت سيادة الحواجز الواهية ،،، وولدت سيادة الخيارات الإستراتيجية الذكية ،،، إن مستقبل الدول المتوسطة والصغيرة لا يرتهن بوعي الآخرين أو أخلاقيتهم ،،، بل بقدرتها على التحول إلى كيانات مركبة ومعقدة ومنيعة ،،، كيانات لا تقهر بالضرورة ،،، لكنها بكل تأكيد مكلفة الإحتلال ومحفوفة المخاطر عند مجرد محاولة زعزعتها ،،، لقد كانت كاراكاس صفعة قاسية ،،، لكنها في الوقت ذاته منبه تاريخي ،،، المنبه الذي يصرخ قائلا إن السيادة لم تعد هبة الجغرافيا أو التاريخ ،،، بل هي مشروع بناء يومي ،،، وإرادة جماعية وفن براغماتي رفيع للبقاء والإزدهار في عالم لم يعد يحترم إلا الأقوياء والأذكياء ،،، هذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه جميعا ،،، ونحن نعد العدة لعالم الغد الذي بدأت ملامحه القاسية تظهر اليوم في سماء فنزويلا ،،،











طباعة
  • المشاهدات: 5343
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
06-01-2026 10:03 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل ينجح ترامب من خلال محاكمة مادورو في إثبات قانونية العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم