حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,7 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5746

العدوان يكتب: التفاعلات العابرة للحدود وشرعنة الدفاع عن النفس

العدوان يكتب: التفاعلات العابرة للحدود وشرعنة الدفاع عن النفس

العدوان يكتب: التفاعلات العابرة للحدود وشرعنة الدفاع عن النفس

05-01-2026 08:15 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : الدكتور علي فواز العدوان
لم تعد التهديدات التي تواجه الدول في عالم اليوم محصورة في الدبابات والصواريخ والجيوش النظامية، بل انتقلت إلى فضاءات أكثر تعقيدًا، حيث تنشط شبكات المخدرات، والجريمة المنظمة، وغسيل الأموال، والإرهاب غير التقليدي، مستفيدة من ضعف الدولة الوطنية أو من فجوات قانونية لم يواكبها القانون الدولي بعد.

في هذا الإطار، تبرز العملية الأمريكية تجاه فنزويلا كنموذج إشكالي يعكس تحوّل مفهوم الأمن من الدفاع داخل الحدود إلى الدفاع ضد مصادر تهديد عابرة للحدود، ويعيد طرح سؤال مركزي:
هل يملك القانون الدولي أدوات حقيقية لمعالجة هذه التهديدات دون الانزلاق إلى منطق القوة؟
من التهديد العسكري إلى التهديد المركّب
التحدي الأكبر أمام النظام الدولي اليوم هو أن أغلب المخاطر العابرة للحدود لا ترقى قانونيًا إلى مستوى “الهجوم المسلح”، لكنها في الوقت ذاته تُحدث أضرارًا استراتيجية تفوق أحيانًا آثار العمل العسكري التقليدي.
تهريب المخدرات، على سبيل المثال، لا يهدد فقط الصحة العامة، بل يضرب الاقتصاد، ويغذي العنف، ويموّل الإرهاب، ويقوّض مؤسسات الدولة من الداخل. ومع ذلك، فإن القانون الدولي ما زال يتعامل مع هذه الظواهر كجرائم جنائية، لا كتهديدات للأمن والسلم الدوليين.
وهنا تتجلى الفجوة بين الواقع الأمني والنص القانوني.
شرعنة الدفاع عن النفس: معالجة أم التفاف؟
في الحالة الفنزويلية، سعت الولايات المتحدة إلى توسيع مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل مواجهة شبكات غير حكومية تعمل من أراضي دولة ذات سيادة، متهمةً النظام بالتواطؤ أو العجز. هذا التوسع يعكس عجز المنظومة الدولية عن فرض التزامات واضحة على الدول في ضبط أراضيها، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام تأويلات خطيرة.
فحين تُترك مسألة تحديد “التهديد” لتقدير الدولة الأقوى، يصبح القانون الدولي رديفًا للسياسة لا ضابطًا لها.
كيف يمكن للقانون الدولي معالجة الفجوات العابرة للحدود؟
بدلًا من اللجوء إلى منطق القوة، يمكن للقانون الدولي أن يلعب دورًا أكثر فاعلية من خلال مسارات متعددة، أهمها:
أولًا: إعادة تعريف التهديد للأمن الدولي
يحتاج النظام الدولي إلى توسيع مفهوم “التهديد للسلم والأمن الدوليين” ليشمل:
الجريمة المنظمة العابرة للحدود
شبكات المخدرات المرتبطة بالإرهاب
تمويل الجماعات المسلحة غير الحكومية
وذلك ضمن أطر قانونية واضحة، لا تترك المجال مفتوحًا للاجتهاد السياسي.
ثانيًا: تفعيل مبدأ المسؤولية القانونية للدولة
بدل الاكتفاء بمبدأ “السيادة”، ينبغي تعزيز مبدأ مسؤولية الدولة عن الأفعال غير الحكومية المنطلقة من أراضيها، سواء بسبب التواطؤ أو الإهمال أو العجز، مع آليات رقابة دولية لا تمس جوهر السيادة.
ثالثًا: أدوات دولية غير عسكرية
القانون الدولي يمتلك أدوات فعالة إذا ما استُخدمت بجدية، مثل:
العقوبات الذكية الموجهة لا الشاملة
تجفيف منابع التمويل
الملاحقات القضائية الدولية
توسيع الولاية القضائية العالمية
التعاون الاستخباري والقضائي متعدد الأطراف
وهي أدوات أقل كلفة وأكثر شرعية من التدخل العسكري.
رابعًا: دور مجلس الأمن خارج منطق الفيتو
أحد أكبر معوقات معالجة التهديدات العابرة للحدود هو شلل مجلس الأمن. ومن دون إصلاح آليات عمله، سيبقى القانون الدولي عاجزًا، وستستمر الدول في اتخاذ إجراءات أحادية تحت عناوين فضفاضة.
بين الواقعية السياسية وحكم القانون
العملية الأمريكية على فنزويلا تعكس واقعية سياسية قاسية، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشة النظام القانوني الدولي في مواجهة تهديدات لا تُطلق رصاصة واحدة، لكنها تُسقط دولًا من الداخل.
فالدفاع عن النفس، إذا لم يُضبط قانونيًا، يتحول من حق مشروع إلى أداة انتقائية، ومن حماية للأمن إلى تقويض للشرعية الدولية.
إن التهديدات العابرة للحدود لم تعد استثناءً، بل أصبحت القاعدة. غير أن مواجهتها لا يجب أن تكون على حساب القانون الدولي، بل من خلال تطويره وتحديثه ليواكب واقعًا متغيرًا.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من القوة، بقدر حاجته إلى قانون دولي قادر على الفعل، لا الاكتفاء بالإدانة.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل ينجح القانون الدولي في سد هذه الفجوات، أم تستمر الدول في ملئها بالقوة؟











طباعة
  • المشاهدات: 5746
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
05-01-2026 08:15 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم