04-01-2026 08:26 AM
بقلم : الكاتب الساخر وليد معابرة
أَما قبل؛ فلستُ بوقاً لأحد، ولم أَكُ بوقاً في يوم من الأيام؛ لا لرئيس جامعة، ولا لوزير، أَو حتى لمدير! فأنا أتنفس الصدق وأستنشق هواءه النقي لأمثَّل به نفسي، وإِنَّ كل ما أخطُّه بقلمي؛ فإنَّما أخطُّه محاولاً البحث عن النزاهة وممارسة طقوسها بأيِّ صورة كانت؛ فمن المعروف أنَّ أبجديَّات احترام الكاتب لنفسه هو أن يكتب ما يعكس نمط تفكيره، وليس ما يخدم تطلُّعاته وأهدافه الشخصيَّة! وإِنَّني أمارس ذلك السلوك؛ لأنَّني ما زلت أحترم الحرف الذي أَكتبه، ليس لشيء؛ ولكن لأبقى ملتزماً بحدود تقبُّل القارئ النَّهم، فأحظى باحترامه وتقديره من جهة، وألتزم بأَدبيَّات النص الأَدبي الذي يجب أن لا يخلو من الأدب من جهةٍ أخرى.
وأما بعد؛ ففي الآونة الأخيرة؛ قرأت كثيراً من المقالات التي تتحدث عن الأكاديميَّة والتعليم في الأردن بطريقة يعتريها الخُبثُ الاجتماعي الذي يتوارى خلف أقلامٍ تعمل على نسف المشهد الأكاديمي بأسلوب زائفٍ ومزيَّف، فتغرس القارئ في بوتقة الفشل الإداري والتعليمي، بأسلوب لا يختلف عن أسلوب النخاسة القديم؛ فهم يجسدون الأكاديميَّة على أنَّها مجموعة من "الوساطات، والمحسوبيَّات" الاجتماعيَّة التي تترافق مع المتسابقين لوظيفة ما، أو لإشغال مقعد لعضو هيئة التدريس في إحدى الجامعات؛ بطريقة تقنع الجميع بأنَّ السباق الوظيفي لا يتم عقده على أساس الكفاءة والعلم؛ بل يتم عقده على عدد الوساطات الشعبيَّة التي ترافق المتسابقين، أو على عدد التوصيات التي يضعها المتسابق في جيبه قبل أن يضع شهادته على الطاولة.
لا شك أَنَّنا في بلد شرقي يعتمد على الوساطة والمحسوبيَّة في جُلِّ المؤسسات، وعلينا أن نعترف بذلك ضمنيَّاً؛ ولكنَّ هذا الاعتراف الضمني لا يعني أنَّ كلَّ وظيفةٍ التحق بها المتسابق هي حصيلة لمخرجات الوساطة! فهناك مؤسسات تعليميَّة ورؤساء جامعات وأصحاب قرار لديهم من القيم العلميَّة والأخلاقيَّة ما يؤهلهم إلى تطبيق المؤسسيَّة الإداريَّة بكلِّ حياديَّة وبكلِّ شرف وشفافيَّة؛ ولكنَّ بعض الأَقلام التي حُرِمت من بعض تلك الوظائف نتيجة لعدم كفاءتها، وحُرِمت من حصولها على طموحها الأكبر في الجلوس على بعض الكراسي الحكوميَّة أو شبه الحكوميَّة لضعف في التقدير العلمي أو لعدم توافق الشهادات التي يحملونها "شهادات الكوكتيل"؛ يحبُّون أن يمثلوا علينا دور الضحيَّة، ويشعروننا بأنَّنا أُمة مهزومة "وستبيع قِشرها قريباً بعد أن باعت جوهرها"؛ بدليل أنَّك ستتفاجأ أنَّ تلك الأقلام كَفَّت عن الكتابة والنقد الجارح حال حصولها على الوظيفة المرموقة التي يسعون إليها في إحدى المؤسسات الإداريَّة أو التعليميَّة؛ وكأنَّ أمر الفساد الإداري والمؤسسي كان محصوراً في مدى امتلاكهم القدرة على النقد والكتابة؛ لا على أسس علميَّة أو شهادات جامعيَّة (مش كوكتيل)، أو حتى على قضيَّة إنسانيَّة تتضمَّن إِحقاق الحقِّ ومحاربة الفساد والفاسدين.
إِنَّ الغريب في الأمر؛ هو أنَّ بعض من يدَّعون النزاهة؛ يُتقنون لُعبة التمثيل إِتقاناً جيداً؛ حتى أنَّ لديهم القدرة على إِقناع المتلقي بأنَّهم مشاعل للحق، ومنارات للعلم والمعرفة! خاصة عندما يصرخون بملء حناجرهم؛ فيكتبون المقالات الثوريَّة الملطخة بمساحيق السخرية الرخيصة، ويجيدون الوقوف العام على مواقع المعارضة الورقيَّة، في حين أنَّك إِذا فكرت أن ترفع الغطاء لبرهة من الزمن؛ فإنَّك ستكتشف أنَّ أقلامهم لم تتسوَّل الكتابة إِلا من أَجل مقعدٍ إداري أو أكاديمي، وإنَّ صراخهم كصراخ الطبل الذي يعلو صوته على صوت القانون في أي أغنية شعبيَّة تُغنَّى في الأَحياء والحارات القديمة.
المشكلة أنِّني أعرف تاريخ تلك الأقلام، وأعلم جيداً أنَّها أقلام مارست الفساد بكلِّ صوره، فقد طرقوا –سابقاً- أبواب المحسوبيَّة وتشغيل الوساطات خِلْسَةً ليأخذوا نصيب غيرهم الذي حصل على تقدير أعلى من تقديرهم في المقابلات الوظيفيَّة، والمشكلة الأكبر أنَّهم ينقلبون فجأةً إذا أُغلِقت تلك الأبواب في وجوههم وظهر عجزهم الصارخ، ليتذكَّروا فجأَةً أنَّهم كُتَّاب مقاومة، وأنَّ السخرية هي إِلَهُهُم المعبود، وأنَّ الفساد غريمهم! في حين أنَّهم في حقيقتهم إرهابيُّون أتقنوا دراسة قوانين العدل ليس إلا!
إِنَّني لا أُزكِّي نفسي؛ فلو كنت مكان أحدهم؛ ربما مارست الفساد بطرقٍ أكثر لآمة وأشد عنفاً وشخصنة؛ ولكنَّني أحاول جاهداً أن أكون منصفاً وحياديَّاً، فالمطلوب منِّي ومن غيري أن نكون إِنسانيين صادقين قبل أن نكون ناقدين، فأبجديَّات الإنسان العاقل والمنصف تساعده على أن يتغاضى عن الجاهل المخطئ؛ ولكنَّها -في الوقت ذاته- تفرض عليه أن يحاسب كلَّ عاقلٍ مخطئ.
- فأنا لا أقبل من كاتب يصرخ ضد الفساد وملفاته ملطخة بقضايا أخلاقيَّة قديمة.
- ولا أقبل من كاتب يحارب الرشوة؛ وهو يتقاضى راتباً شهريَّاً بترتيب مشبوه بينه وبين واحد من المتنفذين.
- ولا أقبل من كاتب يهاجم الاستغلال؛ وهو يُدرِّس طالباته نهاراً، ثم يحجز طاولة ليكمل الدرس على أضواء خافتة ليلاً.
- ولا أقبل من كاتب يملأ مقالاته بحديث العِفَّةِ والنزاهة؛ ثم يحاضر في مجالسه الخاصة محاضرة طويلة عن أَجساد النساء.
- ولا أقبل من كاتب يتغنَّى بالقيم؛ وإذا حدَّثك على هاتفك الخاص؛ نَسَفَ قاموس الاحترام بخلع جذور عورات الآخرين.
- ولا أقبل من كاتب يلعن الفساد نهاراً؛ ليلهث خلف كل الوساطات والمحسوبيَّات ليلاً.
- ولن أقبل من كاتب يهاجم المحسوبيَّة، وهو يرسل سيرته الذاتيَّة إلى كل المتنفذين كمنشور انتخابي مزيَّف.
في الحقيقة؛ إِنَّ أمثال هؤلاء؛ كأمثال التاجر الغشاش الذي يتباكى على كساد سوقه بعد أن دسَّ السمَّ في بضاعته، حتى أنَّ بعضهم لن يتعدى مفهوم ساديَّة الذئب الدموي الشرس التي يطلق خطاباته العصماء عن فضائل الأعشاب؛ ثم يلتهم أول شاة مسكينة انفردت عن أخواتها.
إنَّ هؤلاء المهرِّجين يزاحمون الكُتَّاب الوطنيين المخلصين الذين يكتبون عن الفساد بصدق ليدفعوا أثمان كلماتهم الصادقة؛ ليأتي دور هؤلاء المتسلِّقين فيخلطون الجدَّ بالهزل! ويمزجون النيَّات الخبيثة بالطاهرة! فعندما تقرأ لهم؛ فإنَّك ستهوي برأسك المرفوعة إلى الأرض؛ وستصل إلى مرحلة لم تعد تدري فيها أَهُم يهاجمون الفساد فعلاً! أم أنَّهم يحاولون تقديم سيرهم الذاتيَّة الملطخة إلى لجنة التوظيف ليحنَّ عليهم أو يستقطبهم أحد المسؤولين على سبيل "مـchـافاة الشر" واختصاراً للمشكلات التي تفرض عليك أن تطبق المثل الشعبي الشائع الذي يقول: "اختصر وخلِّ العقل منَّك".
خلاصة القول: إنَّ بعض المتسلِّقين من التربويين والأكاديميين؛ هم الذين إذا دخلوا مؤسسةً أَفسدوها، فالمؤسسات التعليميَّة أو الإداريَّة التي تستقبل مثل هؤلاء "وتتـchــافى شرهم" بالتعيين؛ ستصبح مؤسسة متمرسة في إنتاج أجيال فاسدة، وإنَّ الكاتب الأكاديمي الذي يبدأ مقالاته في البحث عن مقعد إداري بالكلمات الرنَّانة وهو يعلم بأنَّ غيره يستحقه عنه بجدارة؛ فإِنَّه حتماً سيحوِّل المؤسسة إلى مزرعة للفساد؛ لينتج أستاذاً متسلِّقاً بلا كفاءة، وكاتباً جديداً يصرخ بلا حق، وإداريَّاً يجلس على كرسي دجال اعتاد أن يعلو منبر الحكمة؛ لتكتمل حينها دورة الفساد الذي كتب عنه المتعلِّمون المتسلِّقون والمتملِّقون وأخوة الشياطين ليكونوا في يوم من الأيام جزءاً من مأْسسة نظام إداري فاشل كان له نصيب الأسد في إنشاء وتكوين وتمويل بيوت الدعارة الأَكاديميَّة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
04-01-2026 08:26 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||