29-11-2025 10:28 AM
بقلم : د. أحلام ناصر
في السنوات الأخيرة تغيّر شكل العلاقة بين الإنسان والزواج على مستوى العالم، ولم تعد “العنوسة” ظاهرة ترتبط بالنساء كما كان التصور السائد، بل تحوّلت إلى عزوف متنامٍ لدى الرجال بالدرجة الأولى، وهو ما جعل الباحثين يتحدثون اليوم عن أزمة عزوبية رجالية تهدد بنية الأسرة عالميًا قبل أن تكون أزمة تخص النساء. فالأرقام تشير بوضوح إلى 2.1 مليار فرد، ووفقًا لحساب "World of Statistics" على منصة X فإن السويد هي الأعلى في نسبة العزوبية حول العالم حيث تبلغ نسبة البالغين غير المتزوجين 51%، وتتصدر الدول العربية السعودية بنسبة 15%، وهي فجوة عميقة تكشف أن الأزمة تتجاوز مسألة الفرص إلى مسألة الاستعداد والرغبة والقدرة على بناء حياة مشتركة.
هذا التحوّل العالمي ينعكس بوضوح في المنطقة العربية، وفي الأردن تحديدًا حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى ما يقارب 2.7 مليون منهم 1.7 عازب و1.1 عازبة وفقا لصحيفة الغد عن مصادر من دائرة الاحصاءات العامة/نيسان 2024 وصحيفة اخبار اليوم/ فبراير 2023 ، مما يؤكد أن الظاهرة ليست حالة فردية بل تحوّل اجتماعي كامل، إن انتقال الجيل الجديد الى انماط جديدة في التفكير، حيث لم يعد يرى الزواج مجرّد خطوة اجتماعية، بل علاقة يجب أن تمنح صاحبها الطمأنينة والاحترام وفرصة للنمو، لذلك ارتفعت معايير الاختيار، وتراجع الاستعداد للتنازل، واتسعت دائرة من يفضّلون الانتظار على الدخول في علاقة لا تضيف لروحهم شيئًا، إضافة الى ضغوط الظروف الاقتصادية وتغير القيم والأدوار.
ولعل المفارقة أن ما كان يُتداول سابقًا حول “عنوسة المرأة” لم يعد يعكس الواقع، فالعزوف اليوم لدى الرجال أكثر اتساعًا وأعمق أثرًا. فقد أصبحت تكاليف الحياة والزواج والسكن عبئًا يثقل كاهل الشباب، ومع ارتفاع المهور ومتطلبات تأسيس الأسرة بات كثيرون يختارون تأجيل الزواج أو التخلي عنه كليًا، ليس نفورًا من العلاقة بقدر ما هو شعور بعدم القدرة على تحمل مسؤولياتها في ظل هذه الضغوط.
وفي خضم هذا الواقع تبرز أصوات تدعو إلى دراسة خيار تعدد الزوجات كحل لارتفاع عدد العازبات متجاهلا ذلك التحليل المنطقي والعلمي والواقعي لطبيعة المشكلة وحيثياتها المتعددة، حيث أن هذا الطرح لا يتواءم مع طبيعة الأزمة الحالية وإنما يزيد الوضع تأزمًا وتعقيدًا. فالمشكلة ليست في نقص الرجال بل في عزوفهم ذاته، وفي غياب الاستعداد الحقيقي عند الطرفين للدخول في علاقة تؤثر على مخططات ومكتسبات كل منهم في الحياة، المجتمع الذي يواجه فيه ملايين الرجال صعوبة في بناء بيت واحد لن يكون قادرًا على التعامل مع الزواج الثاني أو الثالث، لأن الأزمة ليست عددية بل عاطفية واقتصادية ونفسية، فيما أصبحت بعض الأسر تخشى عزوف الرجال أكثر من تأخر زواج بناتها، فغياب الشريك ينعكس مباشرة على استقرار الأسرة والمجتمع، ويرفع معدلات الوحدة والاكتئاب، كما تؤكد الدراسات التي تربط العزوبية الممتدة بزيادة كبيرة في أعراض الاكتئاب.
نحن أمام عالم يعيد تعريف الأسرة والزواج، عالم لم تعد فيه العنوسة صفة نسائية ولا العزوف حالة عابرة، بل خيارًا لدى البعض ونتيجة ظروف ضاغطة لدى آخرين، والسؤال اليوم لم يعد لماذا يتأخر الزواج، بل كيف نهيئ بيئة تجعل العلاقة مساحة للسكينة لا عبئًا جديدًا. فالمشكلة ليست في التأخر بل في تغيّر مفهوم الزواج نفسه، ومستقبل الأسرة سيتوقف على قدرة المجتمعات على فهم هذا التحوّل ومعالجة جذوره لا الاكتفاء بالبحث عن حلول شكلية.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
29-11-2025 10:28 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||