بقلم :
لم أشعر قبل مشاهدته وقد عاد طفلا يتلعثم في الكلام بعد إصابته بجلطة دماغية بحالة حنين إلى "ستي" –والدته- ولم يسبق أن سألت متى توفيت وأين دفنت لأنها توفيت قبل ولادتي،في ساعة متأخرة من الليل سألت شقيقتي الكبرى بعد يوم مؤلم أين دفنت جدتنا لأبينا؟ استغربت سؤالي وسألتني لماذا؟ قلت لها: كي أعرف هل سيكون قريبا منها حال دفنه هنا أم لا، وأجابت: دفنت في نابلس، شعرت بغربة وبكثير من الإحراج أمام نفسي وأنا أحاكم الأموات والحياة الأخرى بمقاييسنا نحن البشر فالأرواح لا تحتاج لوقود ولا وسائل مواصلات كي تلتقي بعد أربعين عاما وهي لا تعترف بحدود ولا اتفاقيات ولا يعيقها استعمار أو جواز عبور كي تتواصل أو تستأنف تواصلها، والأم- ولم أشعر من قبل بأن والدي أنجبته أم- لا تحتاج تحضيرات مسبقة ولا مراسم كالتي نفعلها كي تستقبل مولودها مجددا، مولودها الذي يقارب على الثمانين قبل موته عاد طفلا، يبكي بكاء طفل وليد ويصرخ صراخ طفل ويتوسل توسل طفل ، حين تدمع عيناه ألما وحسرة على عمر كان فيه دوما الأقوى حتى في أكثر حالاته ضعفا أتذكر"ستي" على حين جنون استثنائي، أنا لم أرها لكنني كنت أراها تعد نفسها لاستقباله وأرى في عينيه حالة حنين للعودة إلى الحضن الذي أغدق عليه دلالا وحنانا ورعاية لأنه كما قيل لي كان ابنها المدلل لأنه جاء بعد عدد من البنات. الآن وقد توفي والدي الذي كنت دوما بالنسبة له حالة خاصة وبنت استثنائية ومنحني من الثقة بذاتي وقدراتي ثقة مبالغ بها وأوهمني بأنني المختلفة أشعر بحاجة للتواصل مع تلك التي أنجبته، تواصل على طريقة فيروز: "آلو ستي؟ ستي ياستي اشتقتلك ياستي علي صوتك صوتك بعيد جاي من الكرم جاي من التفاح صوتك حامل شمس وفّي، لون التين والزيتون...إيه ياستي ما حدا ينطرني ما تأجلوا العرس يمكن طول.. وسلميلي كتير كتير وما بئى بكير ياستي " آه ياستي: استعدي لعرس استقباله، استقبال طفل ثمانيني أمضى عمره باحثا عن شيء ما، لست أستغرب بعدما عايشت حالة الارتداد إلى الطفولة وأرذل العمر بأنه كان يبحث عنك من فلسطين إلى الأردن إلى السعودية إلى العراق وكانت الاردن دوما نقطة جذبه استقبليه واستبقِ أي عتاب لأنكم أنتم الأموات في موازين دنياكم الآخرة لستم مثلنا نحن البشر نبالغ إن استذكرنا مناقب أو مثالب الحي والميت وقولي له بأنني مدينة له وسأبقى في صناعة نمط شخصيتي بإيجابياتها وسلبياتها لأنه هو من أوصلني إلى حالة من الرضا عن الذات حين كان يوهمني دوما بأنني المكتملة .. والكمال والبقاء لله وحده maisa_rose@yahoo.com