في لحظة وطنٍ جمع بين التحديات الإقليمية والداخلية، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام أعضاء مجلس الأمة العشرين، معلناً بداية مرحلة جديدة تُعيد فيها الدولة وهويتها إلى المقدّمة، من هذه المنصة، لم يُلقِ جلالته خطاباً بروتوكولياً فحسب، بل قدّم رؤية وطنية شاملة تتداخل فيها الإصلاح الداخلي مع الثوابت الإستراتيجية، والسيادة مع الانفتاح، والاقتصاد مع النهضة الاجتماعية، إنه خطابُ عهدٍ لا تجديد، وخارطة طريقٍ لا تأجيل، ليتحوّل دفعةً نحو المستقبل الذي طالما حدّده جلالته: “دولة المواطن، الكفاءة، والفرص".
الإنسان محور الدولة
جلالته بدأ خطابه بالتأكيد على أن المواطن الأردني هو العمود الفقريّ للأردن، وأغلى ما نملك، من هذا المنطلق، وضع الملك "الإنسان" في قلب السياسات، ليس كمتلقي للمعونات أو خدمات، بل كشريك في بناء الوطن، فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية لا تُعالج فقط بتقارير وبرامج، بل بإعطاء الإنسان حقّه في الفرصة، والتعليم، والعمل الكريم، إن هذا التحوّل المفهومي يُعدّ قاعدة صلبة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، وتحقيق العدالة الاجتماعية التي حُرص عليها جلالته في الخطاب.
الإصلاح الإداري والعامّة فوراً
تابع جلالته مؤكداً أن المرحلة تتطلّب "جهداً استثنائياً" في تطوير القطاع العام وتحسين الخدمات، وضبط الأداء والمؤسسات، فأردن اليوم لا يقبل أن يكون "عالقاً في قائمة الانتظار"، بل يجب أن يتحول الى دولة فعالة ومُسْتَجِبة، فالإصلاح لا يُؤجَّل ولا يُركَن إلى الغد، بل يتوجّب أن يُترجَم في أربع وعشرين ساعة، وفي كل مستوًى من المستويات، إنه عهدٌ بالمساءلة، والكفاءة، والشفافية.
الاقتصاد والفرص… مسار يُعدّ وليس يُحلّ
أشار الملك في خطابه إلى أن الاقتصاد الوطني "نمو وقوام ومعالجة للبطالة"، وأن المشاريع الكبرى يجب أن تُترجَم إلى نتائج ملموسة في حياة الناس، وتابع بأن الاستثمار ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة لرفع مستوى المعيشة، وتحقيق وظائف جديدة، وتعزيز تنافسية الأردن، هذا يتطلّب شراكة بين القطاعين العام والخاص، مرونة القوانين، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
الثوابت الإستراتيجية… فلسطين وجسد الأمة
لم يغفل جلالته في خطابه البُعد الإقليمي، مؤكّداً أن الأردن سيبقى "الصادق في دعم القضية الفلسطينية، يقف إلى جانب غزة والضفة" وألا تنازل عن دور الحماية للقدس والمقدسات، هذه الرسالة أمام الحكومة والبرلمان دلالة على أن الإصلاح الداخلي لا يعني التفريط بالإقليم أو الهوية، بل هو ضمانٌ أكثر لاستقرار البلاد وتأمينها في محيطٍ مضطرب.
الشباب والجيل الصاعد… إرث ومستقبل
وجّه جلالة الملك نداءً إلى الشباب قائلاً إنهم "جيش الوطن القادم"، وأن عليهم أن يحملوا الراية برسالة واضحة: الوطن يحتاج طاقاتهم، أفكارهم، ومشاركتهم، هذا التركيز على الشباب لا يحمل بعداً تفاعلياً فقط، بل استراتيجياً: فدولة المستقبل تُبنى اليوم بمن هم تحت الثلاثين، وهذا يتطلّب إصلاح التعليم والتدريب وربط مخرجاته بسوق العمل، وإنهاء امتياز حجب الفرص.
الأمن والاستقرار… ركيزة لا تساوم
أكد جلالة الملك أن "الأردن وُلد في قلب الأزمات، وتجاوزها بكل عزيمة"، وهو اليوم يُواجه تحديات أمنية وإقليمية معقدة، من هنا يُشدد الخطاب على أن الإصلاح لا يعني ضعف الدولة، بل قوتها، وأن الأمن الوطني واستقرار الوطن هما ركيزتان للتنمية، هذا التوجّه يستدعي تكاملاً بين الأجهزة الأمنية والمدنية تحت منظومة إصلاح شاملة.
الحكم الرشيد والشفافية… عهدٌ ليس خياراً
ترجمت رؤية جلالة الملك إلى مطلبٍ تشريعي واضح: أن يكون الحُكم (خدمة لا منصباً) وأن تكون المساءلة من الأساس، وضّح أنه لا مكان للإبطاء أو التهاون في الإصلاح، وأن الشعب الأردني يستحق أن يرى "نتائجاً ملموسة لا وعوداً مطوّلة"، هذا التأكيد يضع مسؤولية كبيرة على مجلسي النواب والأعيان والحكومة بأن يسارعوا بتفعيل التشريعات والرقابات التي تُعيد الثقة بين المواطن والدولة.
التحول الرقمي بين الواقع والطموح
من بين محاور الخطاب السامي تحول الرقمنة للخدمات العامة "ليست رفاهية بل ضرورة" وفقاً لجلالته، فالعصر الذي نعيشه يتطلب دولة إلكترونية تُمكّن المواطن وتُزيل الروتين وتُسريع الأداء، لكن القول وحده لا يكفي؛ التنفيذ هو العلامة، هذا المسار يتطلب بنية تحتية تقنية، وتأهيل موارد بشرية، وإعادة هندسة الإجراءات في كل وزارة ومؤسسة، حتى يشعر المواطن بالتغيير في يومه لا في تقريرٍ سنوي.
تطلّعات مُستقبلية مُبهرة
رسم خطاب العرش السامي ثلاث مسارات للعمل نحو أفقٍ واعد: أولاً: دولة المواطن التي يُرى فيها الفرد مواطناً لا رقماً ويُكافأ فيه الإنتاج والابتكار، ثانياً: دولة الفرص التي تُحقّق وظائفاً حقيقية للأردنيين، وتضع الاستثمار وتنمية المحافظات في صلب الأولوية، ثالثاً: دولة الهوية التي تحتضن الموقع العربي والإسلامي للأردن، وتُعزّز دوره الإقليمي بفضل قدراته وتضحياته، هذه التطلّعات ليست مجرد شعارات، بل تعهدات وجب ترجمتها على الأرض، تبدأ من هذا المجلس، ومن كل بندٍ تشريعي يعود بالنفع على الأسرة الأردنية.
في الخاتم فإن خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني أعلن بأن الإصلاح ليس منّة تُقدّم، بل حقٌ يطالب به المواطن، والتزم بأن الدولة ستكون في مستوى تطلّعاته، اليوم، ليس هناك وقت للتأجيل أو الانتظار: الفرصة أمامنا، والإرادة متاحة، والشعب الأردني في الموعد، الآن ليس أمامكم خيار (أعضاء مجلسي الأمة، وصانعو القرار) سوى العمل المُستعجل والجاد لترجمة هذا الخطاب إلى واقعٍ تلمسه الأجيال القادمة، لذلك فلتكن هذه الدورة بداية عهد جديد، يحمل فيه الأردنيون ثقة متجددة، ودولة تُدار بالكفاءة والنزاهة والإنجاز.
توصيات استراتيجية للحكومات ومجلسي الشعب
1. الحكومة:
أ. تفعيل تشريعات الإصلاح الإداري خلال ستة أشهر، وقياس أداء الوزارات عبر مؤشر "خدمة المواطن".
ب. إطلاق منصة وطنية لقياس رضا المواطن عن الخدمات خلال ثلاثة أشهر، وربط النتائج بمساءلة الجهات المعنية.
2. مجلس النواب: إقرار قانون شفافية جديد يُلزم بنشر الميزانيات والمشتريات الحكومية ضمن منصة مفتوحة للمواطن.
3. مجلس الأعيان: تشكيل لجنة مستقلة لمتابعة تنفيذ توجيهات الملك في مجال التحول الرقمي وتقرير تقدّم سنوي يُحاط بتوصيات واضحة.
4. الحكومتان التشريعية والتنفيذية: إطلاق برنامج وطني لتشغيل الشباب ضمن أول 100 يوم، يركز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال.
5. البرلمان: مراعاة تحقيق تمثيل النساء والشباب في اللجان النيابية وصناعة القرار، كما ورد في التوصيات الملكية.
6. الحكومة ومجلس النواب: مراجعة سياسات الضرائب والدعم بحلول نهاية السنة، لضمان حماية الفئات الأكثر ضعفا واستقرار السعر والخدمة.
7. جميع الجهات: تعزيز الشراكة بين القطاع العام والخاص في مشاريع البنى التحتية في المحافظات، مع آلية رقابية لتأكيد توظيف الأردنيين أولاً.
د. خالد السليمي يكتب: خريطة التحوّل الأردني: خطاب العرش السامي يجدد العهد ويؤسس لعصر الدولة الكفوءة
منذ 6 شهور
المشاهدات :
6519
د. خالد السليمي
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
الأردن اليوم
أمين عام حزب الأمة المنحل: سنطعن بقرار تغيير اسم جبهة العمل الإسلامي إلى “حزب الأمة
منذ 2 يوم
04
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
خلود العميان تكتب: المرأة الأردنية ليست محتوى ساخرًا للتنكيت والمقارنة… كفى
منذ 1 ساعة
كُتاب سرايا
تهاني روحي تكتب: هل آن الأوان ليعتمد المجتمع المدني على نفسه؟
منذ 4 ساعات
كُتاب سرايا
رشا سفيان الأحمد تكتب: العلاقة الإنسانية ودورها في تشكيل الطالب الجامعي
منذ 4 ساعات
كُتاب سرايا
ماهر أبو طير يكتب: ما الذي سيفعلونه أمام هذه المهددات؟
منذ 4 ساعات
كُتاب سرايا
العمارات يكتب: رأس المال الفكري الاردني .. ما بين الامن الوظيفي والخوف من الُمستقبل
منذ 5 ساعات
أخبار فنية
فن
انتهاء مراسم تشييع جثمان الفنان هاني شاكر بحضور نجوم الفن
منذ 29 دقيقة
فن
أبويا اللي كنت عليه مسنود .. نجل هاني شاكر الوحيد يبكي بالدموع في وداع والده
منذ 36 دقيقة
فن
فيلم مايكل جاكسون يتصدر التريند ويحقق إيرادات قوية | صور
منذ 1 ساعة
فن
فيفي عبده ولبلبة أول الواصلين الى جنازة هاني شاكر (فيديو وصور)
منذ 1 ساعة
فن
زفاف مفاجئ نسرين جوادزاده تدخل القفص الذهبي وتفاجئ الجمهور بهوية العريس
منذ 2 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
أحدث تطورات انتقال عمر مرموش إلى برشلونة
منذ 30 دقيقة
رياضة
بني سلمان مديرا فنيا للفريق الأول لكرة القدم بنادي كفرنجة
منذ 1 ساعة
رياضة
بطولة السعودية .. النصر للابتعاد بالصدارة بعد اقتراب الهلال
منذ 2 ساعة
رياضة
رقم ضخم .. كم الراتب الذي يستهدفه محمد صلاح من ناديه الجديد؟
منذ 4 ساعات
رياضة
من هو حكم كلاسيكو ريال مدريد وبرشلونة؟
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
بعد شائعات الهرمونات .. تاجر طيور بسوهاج يكشف حقيقة حقن الدواجن لزيادة الوزن
منذ 24 دقيقة
منوعات من العالم
(انحياز السلبية) .. لماذا يرى دماغك الخطر قبل الفرصة؟
منذ 34 دقيقة
منوعات من العالم
ارتبط اسمها بجيفري إبستين .. اختفاء عارضة أزياء إيطالية سابقة بظروف غامضة
منذ 38 دقيقة
منوعات من العالم
ثلاثة أسباب رئيسية للإفراط في تناول الطعام
منذ 49 دقيقة
منوعات من العالم
أغلى صفقات الساعات في التاريخ .. أرقام تحبس الأنفاس
منذ 52 دقيقة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات