حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,5 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 9599

( مالنا غير هالبلد ) !

( مالنا غير هالبلد ) !

 ( مالنا غير هالبلد ) !

05-08-2009 04:00 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم :

 صيف 1966 وقبيل النكسة بعام أي منذ ما ينوف على عقود أربعة بثلاث سنين ، وُضعتُ مع أحد أصدقاء الحارة في مؤخرة قلاب موديل ألف وتسعمية وخشبة !، وبعد أن ناولتني المرحومة أمي بطانية جيشية وكيس ورقي كاكي ، احتوى على بيضة مسلوقة وزرين بندورة وثلاث خيارات وزرين بطاطا مسلوقتين أيضا ، قبل أن ننطلق يوم ذاك مقطوطين مثل رأسيِّ غنم أو خاروفين لا كبشين طبعاً (!) أما القاط أي اللي قاطنا معه فكان المقاول / المعلم أبو شنب متكتك ، وكان بالطبع جالساً إلى جانب السائق في القمرة المخصصة للسادة ! تحرك بنا القلاب من الهاشمي الشمالي قاطعين الطريق الصحراوي نحو الجنوب مروراً بمعان الأبية ، في طريقنا إلى الصحراء للعمل في بناء جسور الخط الحجازي بإشراف شركة إيطالية ، وبحسب طبيعة العمل ومقتضياته كان علينا آنذاك أن نُخيم أياماً أو أسابيعَ ، في نقاط بعينها على امتداد الصحراء توزعت بعد مسافة من معان ، نحو العمق الصحراوي من بير شيدية ثم فصّوعة مروراً ببطن الغول حتى حدود تبوك السعودية .. وبالمناسبة كان جارنا المقاول بالقطع مفضّل على المرحوم والدي ، إذ قرّشني بنيرة أي وتكة في اليوم أي 30 ملحفة تنطح ملحفة شهرياً !، مع أنه كما سمعت يأخذ من الشركة الأجنبية نيرة ونص عالراس !، لم يكن مهماً فالأهم لدي كان أنني سأعود بعد انقضاء تلك العطلة الصيفية المدرسية ، بغنيمة أين منها رأس كليب إذ لا بد وسيقولوا غاب وجاب والتوجيهي سيكون لي آنذاك قمرة وربيع ! ما علينا .. وما هنا حطّ بنا جمّال المقالة ، فالذي أود الخلوص إليه بعد هذه التقدمة النابغية الطويلة !، هو أنني و بعد كل هاتيك السنين ما زلت أحتفظ في دهاليز ذاكرتي ، بمشهد شديد الخصوصية أقيس عليه منذ ذلك الحين سوسيولوجياً وطنياً وإنسانياً بالتالي ، وخبره الأصيل هو حين كنت مع سائق التنك في طريقنا لجلب الماء من تبوك ، وقفنا للراحة ضيفين على عائلة بدوية تنتسب لأعرق العشائر الأردنية ، كانت تسكن تحت جسر شبه مهدم بالكاد كان يظللهم سقفه المتآكل ، تلكم الأسرة الجنوبية المكونة من الزوج والزوجة والأب المئوي الضرير وصبي وشابتين ودجاجتين ، أما الدجاجتان اللتان كانتا تملئان المكان قرقاً فقد اختفتا ظهرذاك بعد دقائق ، فالمعزّب يجب أن يقوم بواجب الضيافة ولم يجد يومذاك إلا الدجاجتين الوحيدتين وليمةً للضيفين (الموقرين !) ! ذكرى تلكم الوليمة ما زالت تصيبني كلما اجتررت مشهدها الذبيحي ، بأحاسيس مختلطة بين الخجل والحزن و الغثيان وأكثر من كل أولائك بالظلم المقيم ، إذ لم أرَ يومذاك ولو غنمةً أو ناقة تكون كما يقول البدو منوحة تلك الأسرة ، فالثروة / المنوحة الوحيدة كانت هي الدجاجتان أي وليمة الضيوف (!) ومهما يكن فالمقالة هذه لا تحتمل تفاصيل أخرى كأثاث البيت مثالاً لا حصراً (!) لا تصدقوني .. فأنا البدوي الذي ولد وترعرع في بيت من الشعر لم أقوَ على تقديم هذا الوصف ! رأس الأمر في ذلك المشهد القديم / المقيم وذروة سنامه برمته ، كانا في سؤال زميلي سائق التنك السعودي الضيف الأكبر سناً – إذ كنت فرفوراً آنذاك !، المعزب عن أحواله كعادة الناس في التعارف وتجاذب أطراف الحديث كسراً ربما لحاجز الصمت ، فأجاب : (الحمد لله من خير الله وخير أبو عبدالله حنا بخير) صمت قليلاً ثم أضاف : (وين نروح مالنا غير هالبلد) وأردف : (هذي البلاد أخيّر من غيرها) ! وبعد .. فيا أيها السادة المنظرون في قداسة الوحدة الوطنية ، المتحدثون بلسانين هما لسان واحد وطني مبين لو تعلمون ، الناطقون باسمنا صباحَ مساءَ وفي الأذكار دون تفويض منا لا تصريحاً أو حتى تلميحاً ، نقول لكم و لكل الدنيا ما قاله مضيفنا الجنوبي البدوي الأصيل قبل أربعين عاماً ، نبدي في ذلك ونعيد بأنه : (ما لنا غير هالبلد) ، فدعونا نتعايش فيه ، نعشقه نلوذ به ونذود عنه بالغالي والنفيس تحت راية جلالة مليكنا المفدى المظفرة ، ونفديه من المهد إلى اللحد بحبة الفؤاد وماء العين قبل الولد والروح والدم النشمي ، ونردد مع نظم الشاعر الزيودي وصوت الفنان الصقاّر : (أردنيين وما ننضام ومهرك يا الأردن غالي / نتغاوى بعقال العز عز و أهيب بعقالي / نرد الريح يوم الريح تقرب سورك العالي / نثبت شاردات الخيل يوم يطب بها جفالِ) .. علينا السلام ..] Abudalhoum_m@yahoo.com








طباعة
  • المشاهدات: 9599
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
05-08-2009 04:00 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم