حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,17 يناير, 2019 م
طباعة
  • المشاهدات: 26339

موازنة 2019 ستزيد الدين العام والأزمات الاقتصادية

موازنة 2019 ستزيد الدين العام والأزمات الاقتصادية

موازنة 2019 ستزيد الدين العام والأزمات الاقتصادية

30-12-2018 12:03 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : بسام الكساسبة

تعتبر موازنة الحكومة من الأسباب الرئيسة لأزمات الاقتصاد الأردني وتفاقمها على مدار السنوات الماضية، نتيجة أولاً للإسلوب الخاطيء الذي تعد به الحكومة هذه الموازنة، وثانياً طريقة إقرارها من قبل المؤسسة التشريعية، لذلك تتحمل كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية تبعات الإخفاق بإعداد موازنات تلبي إحتياجات الدولة وبناء اقتصاد وطني مزدهر، كما تتحملان مسؤولية تفاقم الدين العام وزيادة أعباء خدمته من أقساط وفوائد.
فمن غير المعقول أن تطلق السلطات الرسمية لنفسها العنان لزيادة إنفاقها بما يفوق حجم الاقتصاد الوطني ومستواه الضعيف، هذا التجاوز الذي يتم على حساب معيشة المواطنين، وعلى حساب تحقيق التنمية الشاملة، عندما يساء توظيف رأس المال الوطني، بإخراجه من دائرة الإستثمار والإنتاج لدى المواطنين ويوضع في ماكنة الإستهلاك الحكومي وخصوصاً الإنفاق الجاري منه، والأسوأ من ذلك حينما تستبد الحكومة فتفرض على المواطنين دفع المزيد من الضرائب والرسوم والغرامات والمخالفات، لتمويل إنفاقها الجاري المتصاعد الذي يتسم جزء كبير منه بالسمة الترفيهية كتغيير الإثاث وشراء السيارات الفارهة، وتغيير ديكورات أبنية ومكاتب الحكومية، والسفر المتكرر للمسؤولين، وتحميل المواطنين تكاليف البطالة المقنعة في أروقة الحكومة، حينما يتحمل المواطنون رواتب موظفين جزء كبير منهم لا يقدمون خدمات تذكر للدولة، وسوء تخصيص المنح الخارجية، ووجود عدد هائل من المسؤولين الحاليين والسابقين ممن يتقاضون رواتب عالية جداً غالبيتهم يشكلون أعباءاً ثقيلة على صناعة القرار وعلى المال العام، وقد تزامن هذا مع فشل الحكومات المتعاقبة بإدارة دفة الاقتصاد الوطني، وبالتالي وجود اقتصاد وطني هزيل جداً لا يحفز على نمو إستثمارات الافراد والشركات، مما يضعف تحصيلات الحكومة من الرسوم والضرائب والعوائد الحكومية الأخرى.
فما لا يدركه غالبية المسؤولين لدينا في الأردن، وتحديداً المسؤولين عن إدارة الشؤون الاقتصادية والتنظيمية والمالية هو أن الإيرادات الحكومية ترتبط بعلاقة طردية مع قوة الاقتصاد الوطني الذي يقاس بحجم الناتج المحلي الإجمالي، ففي الأردن التي بلغ ناتجه المحلي الإجمالي 38.5 مليار دولار في عام 2017 بلغت إيراداتها المحلية بإستثناء المنح 9.1 مليار دولار، وهي قيمة متواضة جداً قياساً بما تحققه الكثير من دول العالم، وبالمقارنة نجد على سبيل المثال ناتج النرويج المحلي الإجمالي لنفس العام 399 مليار دولار مما مكنها من تحقيق إيرادات مالية بقيمة 179 مليار دولار، وفي إسرائيل بلغ ناتجها المحلي الإجمالي 351 مليار دولار مما مكنها من تحقيق إيرادات مالية بقيمة 113 مليار دولار، وفي سنغافورة بلغ ناتجها المحلي الإجمالي 324 مليار دولار مما مكنها من تحقيق إيرادات مالية بقيمة 62 مليار دولار، وللعلم النفقات العسكرية في سنغافورة تبلغ 9 مليارات دولار أي ما يزيد على كامل الإيرادات المحلية للحكومة الإردنية، التي تتدنى كثيراً نتيجة لضعف الاقتصاد الوطني الأردني، بسبب فشل الحكومات الأردنية المتعاقبة بلا إستثناء في تطوير هذا الاقتصاد وتقويته، وقد أردفت الحكومات الأردنية المتعاقبة فشلها بإدارة الاقتصاد الوطني بفشل ذريع أخر، يتمثل بمحاولاتها المتكررة إستنزاف موارد المواطنين المحدودة والمتواضعة وموارد عيشهم حتى النهاية، وصولا إلى حالة تعريضهم للإفلاس وانهيار أعمالهم واستثماراتهم، وتحويل الدولة الأردنية إلى دولة تعد من أفقر دول العالم.
إن زيادة الدين العام وتفاقم أعباء خدمته هي مسؤولية مشتركة تتحملها الحكومة ومجلس الأمة بشقية النواب والأعيان، فالحكومة المتعاقبة تحملت نصف المسؤولية عن ذلك، لأنها قدمت ولم تزل مشاريع قوانين موازنة في كل سنة مثلقة بنفقات متضخمة، مع عجز مالي كبير، وبالتالي المزيد من الدين العام الداخلي والخارجي، ومزيداً من أعباء خدمته التي تبلغ 2 مليار دينار سنوياً كاقساط وفوائد، كما يتحمل مجلس الامة بشقيه النواب والأعيان مسؤولية كبيرة، بتمريرهما مشاريع قوانين موازنة الحكومة المركزية وموازنات الوحدات الحكومية المستقلة على مدار سنوات العقود الثلاثة الاخيرة كما تردهما من الحكومة دون تعديل او تغيير فيها بما تتضمنه من توسع في الإنفاق وعجز فيها، مما يثبت عدم جدوى عرض مشروع قانون الموازنة على مجلس الأمة، حيث إعتادت السلطتان التنفيذية والتشريعية في الأردن على إعداد قانون الموازنة العامة بإسلوب نمطي تقليدي، إذ تعده دائرة الموازنة تحت مظلة وزارة المالية، ثم ترفعه إلى مجلس الوزراء للمصادقة على بيانات الموازنة، لترسله على مجلس النواب بعد خطاب الموازنة، ثم قيام مجلس النواب بإحالة مشروع الموازنة إلى لجنته المالية، التي تشرع بعقد سلسلة طويلة من الإجتماعات مع كبار مسؤولي الوزارات والأجهزة والوحدات الحكومية المستقلة، التي قد تستمر لشهر، لتعد اللجنة المالية تقريرها الذي تعرضه على مجلس النواب، ثم يشرع أعضاء مجلس النواب بمناقشة مشروع قانون الموازنة عبر مهرجان خطابي يستمر لمدة إسبوع تقريباً يتناوب جميع أعضاء مجلس النواب على المشاركة به، كل عضو يقدم خطاباً مشحوناً بالإستعراض والمعارضة الشكلية للحكومة ولمشروع قانون الموازنة أمام الرأي العام، يتناولون في خطاباتهم الإستعراضية جميع الشؤون المحلية والخارجية السياسية والإجتماعية بإستثناء جوهر بيانات مشروع قانون الموازنة، بعد هذا الكرنفال الخطابي المليء بالصخب الدعائي والإعلامي يصوت أعضاء مجلس النواب في خطوة روتينية على مشروع القانون ومن ثم إقراره كما ورد حرفياً من الحكومة بلا أي تغيير على أي نفقة غير ضرورية وردت فيه، ثم يُدفَع بمشروع القانون إلى مجلس الأعيان ليمر بإجراءات مماثلة لما مر به في مجلس النواب لكنها مختصرة، ثم موافقة مجلس الأعيان عليه، ثم يرفع ليقترن بالإرادة الملكية السامية، وهكذا في كل عام يتم تمرير مشروع قانون موازنة الحكومة المركزية وقانون الوحدات الحكومية المستقلة بهذا المسار النمطي التقليدي الذي ألحق أشد الأضرار والمخاطر والتشوهات بمالية الحكومة، حتى وصل اقتصادنا الوطني إلى هذه الحالة المزرية من الركود والكساد والديون العامة الضخمة والبطالة والفقر التي تفوق بحجمها إمكانيات الوطن وقدرته على الاحتمال، هذه الكوارث التي مردها سوء إعداد وتمرير وإقرار قانون الموازنة من قبل الحكومة ومجلسي النواب والأعيان.
في أميركا يمكن للكونغرس أو لمجلس الشيوخ تعطيل العمل بالموازنة بغض النظر عما ستلحقه من تبعات بالمؤسسات الحكومية، وقد سبق لمجلس الشيوخ الأمريكي في عام 2013 ان عطل عمل الموازنة وعمل الكثير من الوزارات والمؤسسات الفدرالية، وسرحت الحكومة حينها مئات آلاف الموظفين، وتكرر الامر ذاته في بداية عام 2018 ، وففي الوقت الحالي أيضاّ، حيث يرفض مجلس الشيوخ الأمريكي الموافقة على مشروع الموازنة الأمريكية المؤقتة لعام 2019 ، وذلك لخلاف المجلس مع الرئيس الأمريكي ترامب الذي يرغب بتخصيص مبلغ 5 مليارات دولار لبناء جدار عازل مع المكسيك الذي يرفضه مجلس الشيوخ، مما أدى الى تعطيل أعمال عدد من دوائر الحكومة الأمريكية وإغلاق أبوابها منها أجهزة أمنية وعسكرية وسياحية، وتوقف صرف رواتب 800 ألف موظف وقد إضطروا لأخذ إجازات غير مدفوعة الأجر وبعضهم تم تسريحه، وبالتالي لا يوجد في الدول الديموقراطية الحقيقية نفقات ترقى لمستويات مقدسة توجب على برلماناتها إقرارها وتمريرها كما تأتي لها من الحكومات، وهذا ما ينبغي على مجلس الأمة الأردني بشقيه النواب والأعيان العمل به إسوة بما تعمل به الدول الديموقراطية الأخرى، وإلا ما جدوى عرض مشروع قانون الموازنة على البرلمان الأردني طالما أنه لم يحدث أي تغيير أو رفض لأية موازنة أو نفقة غير ضرورية فيها على مدار سنوات العقود الأخيرة؟
البعد الآخر في التشوهات التي تواجهها موازنة الحكومة المركزية، هو تراجع النفقات الرأسمالية كنسبة من النفقات العامة، فبينما كانت النفقات الرأسمالية في عام 2002 تشكل 21% من النفقات العامة وهي نسبة مقبولة، إرتفعت إلى 25% في عام 2004 ، وقد بقيت عند مستويات مقبولة إلى عام 2009 الذي بلغت فيه 24% ، لكنها بدأت بعد ذلك بالتراجع الملحوظ إلى أن بلغت 13% في الأعوام الأخيرة بما فيها موازنة عام 2019 ، مما يشير إلى تراجع مستوى جودة الخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطنين من تعليم وصحة وطرق وجسور وسائر أشكال البنية التحية والخدمات الأخرى.
الجانب الآخر هو تجاوز الحكومة للعجز المقدر في موازنة عام 2018 بمبلغ 1223 مليون دينار إلى 1728 مليون دينار بزيادة مقدارها 500 مليون دينار حسب إعادة التقدير الوارد في موازنة عام 2019، وهذا يشير إلى أن الحكومة قدمت في الموازنة السابقة بيانات مالية إبتعدت كثيراً عما قدرته، مما أدى لزيادة إضافية في عجز السنة الماضية بقيمة 500 مليون دينار، أما العجز قبل المنح لعام 2019 فقد تم تقديره بمبلغ 1245 مليون دينار وهو مبلغ مرتفع كثيراً كان على الحكومة وضع موازنة بعجز اقل من هذا بكثير كي لا يرتفع الدين العام.
الملاحظة الخطيرة الثانية هي التراجع في أداء الاقتصاد الوطني خلال عام 2018 كما أثبتته موازنة عام 2019 ، فقد تراجعت الإيرادات المحلية المقدرة في موازنة عام 2018 من 7796 مليون دينار إلى 6975 مليون دينار حسب أعادة التقدير الوارد بموازنة 2019، وهذا يشير لتراجع أداء وأعمال المؤسسات الفردية والشركات ومداخيل الأفراد بسبب حالة الركود والكساد الشديد الذي يمر به الاقتصاد الوطني، والذي ترتب عليه تراجع في الإيرادات المحلية، ومن المتوقع أن تواجه الحكومة خلال العام 2019 صعوبات بالغة في الوصول إلى الإيرادات المقدرة بموازنتها.
الملاحظة الثالثة هي إرتفاع نسبة عجز موازنة عام 2018 من الناتج المحلي الإجمالي حسب البيانات المقدرة بموازنة 2018 بنسبة 4.1% إلى 5.8% حسب إعادة التقدير الوارد بموازنة 2019، وتعد هذه النسبة من أعلى النسب العالمية وهي مؤشر خطير عى أداء المالية العامة.
تعتمد موازنة الحكومة في التخفيف من عجزها السنوي على المنح الخارجية، التي لولاها لحلت بالاقتصاد الأردني أسوأ الكوارث الاقتصادية والاجتماعية، لكن ما تحتاجه المنح الخارجية هو ضرورة إدارتها وتحصيلها وتوزيعها على أوجه الإنفاق المختلفة حسب أولويات التنمية الوطنية وبشفافية عالية، تؤدي إلى تعزيز ثقة الجهات المانحة بالجهات الأردنية المعنية بإستلامها وإنفاقها، كي يتمكن الأردن من إستقبال المزيد منها.






طباعة
  • المشاهدات: 26339

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم