حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,6 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 30559

كنت في شويعر

كنت في شويعر

كنت في شويعر

29-04-2008 04:00 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم :

 
نعم ها أنا أكررها وأقول أن الجيش حين يقوم بشيءٍ ما، فإنه لا يقوم إلا بالشيء الصحيح.. دعوني أحيي تلك الثلّة من الرجال الذين شاهدناهم في مواقعهم وهم يقومون بأشرف وأنبل الأعمال.. إنهم حقاً مصنع الرجال.. كنت بالأمس في شويعر.. تلك المنطقة الموغلة في الصحراء وفي عشق الوطن بصفاءٍ لا تشوبه شائبة، تماما كما هو هواؤها النقي الذي لم يتلوث بمدنيتنا الفارغة.. هناك في شويعر كانوا واقفين واثقين من أهدافهم وغاياتهم.. من أين أبدأ الحكاية: حسناً هذا ما حدث معي.. كانت الساعة السابعة مساءً وكنت في منطقة طبربور وأريد أن أذهب إلى إربد من أجل حضور مناسبة لعديلي محمد الغرايبة، حينها لم تدور السيّارة بالرغم من محاولاتي المتكررة، وتوقفت جانب الطريق ساهماً منتظراً حلاً غير متوقع.. حينها مرّ بجانبي ذلك الشّاب الممتلئ حماسةً ورجولة ونخوة عزّ نظيرها.. سألني قائلاً: ما المشكلة؟ أجبته أن السيّارة لا تدور، فطلب منّي أن أرفع غطاء الموتور، وبدأ يشمّر عن ساعديه، ويتفحص السيّارة، وبدأت الزيوت والشحوم تملأ كفيّه، وقام بشفط كمية من البنزين وضخّها من أجل الاشتعال.. واصل عملية الإصلاح بصورةٍ احترافية، إلى أن دارت السيّارة أخيراً.. نزلت لأصافحه وأقدم له شكري، سألته: هيئتك تدلّ على عسكرية ما.. قال: صحيح أنا مكلّف في شويعر.. سألته عن اسمه، قال: محمد الحنّاوي.. فقلت له: غداً سأكون في شويعر لألقي محاضرة في المكلفين هناك.. أرجو أن ألقاك هناك.. حين وصلت إلى شويعر كانت الهواجس والتوجسات تتملكني.. ماذا تتحدث وتقول لألف شخص يجلسون أمامك وفي الميدان والهواء الطلق.. كيف ستدير حواراً أو توصل معلومة أو تثير تساؤلات.. لكن المهندس شوكت العبابنة من مشروع التدريب والتشغيل التابع لوزارة العمل طمأنني بأنه رغم عدم وجود أي وسائل تعليمية أو تسهيلات تدريبية، لا داتا شو.. لا شفافيات.. لا لوح وطباشير.. فقط المقدرة الوحيدة هي الصوت العالي ودفء القلوب.. استقبلنا العقيد عبد الله الحنيطي وعدد من الضباط بابتسامة مشرقة ومقبلة.. لكن التوجّس كان حاضراً.. كنا خمسة محاضرين موزعين على خمسة آلاف مكلّف.. وصلت إلى موقع محاضرتي، واستقبلنا المقدم محمد الخوالدة وأيمن المصاروة وغيرهم من الضباط.. كان الطقس ربيعياً والشمس حانيةً.. وصلنا إلى الميدان.. جلست على الطاولة البسيطة أمام هذا الحشد الكبير.. ما أن قلت السلام عليكم، حتى كانت جميع الجدران تتهاوى.. فالبوصلة لن تضل أبداً حين تكون وسط هذا الفيض من العزّ والكرامة والفخار.. بدأت الحديث عن ذلك المكلّف الأردني الأصيل محمد الحنّاوي الذي ربما لم يقرأ أو يعرف شيئاً عن التواصل والعلاقات الإنسانية، لكنه بتصرفه النبيل كان أستاذاً بمعنى الكلمة في التواصل الذي أعجز اليوم عن الحديث فيه.. دار جوّ من الألفة والحميمية.. لم أستخدم أياً من المفاهيم الأكاديمية المعقّدة.. فهذه الحشود لا سبيل لملاقاتها إلا بالعفوية المتدفقة الخارجة من الوجدان إلى الوجدان.. عدنا إلى المكتب فكان هناك المقدم شاهر خريسات وضباط آخرين.. دار حديث حول خدمة العلم أو التجنيد الإجباري وربما الأدق هو خدمة الوطن.. قالوا كلاماً كثيراً عن البدايات لهذه الدفعة التي جاءت بعد انقطاع لأكثر من عشرين عاماً.. قالوا: لقد جاءنا أفراداً من هذه الدفعة لا ملامح لهم، ولا ثقة بالنفس ولا رجولة واضحة.. انظر إليهم الآن كيف هم ممتلئون ثقةً ورجولة وتفان.. كان منهم من يسهر الليل بطوله وينام النهار.. الآن تغيّرت ساعته البيولوجية، فأصبح مع آذان الفجر يكون جاهزاً ومستعداً للعمل.. كان هناك الكثير من ذوي الخصر الساحل.. الآن أنظر إلى قامتهم الممتشقة والمشدودة والهامة المرتفعة.. كان منهم من لا يرفع عينيه في وجه محدّثه.. الآن تستطيع مشاهدة تلك الحيوية المتدفقة من عيونهم وأفواههم.. كان منهم من لا يأمن والديه عليه بأن يشتري كيلو خبز أو يركب الحافلات لوحده.. الآن باتوا يعرفون معنى وكيفية التعامل مع هذه الأمور.. كان منهم من يأخذ مصروفاً شخصياً ويومياً من والده يزيد عن عشرات الدنانير.. الآن انظر إليهم عند استلام مكافأتهم الشهرية التي لا تتجاوز الثلاثين ديناراً، لكنها أصبحت تساوي عندهم الشيء الكثير، فهي أول الدنانير التي بذلوا عرق الجبين لتحصيلها.. كان منهم من لا يدرك مفهوم الصداقة والزمالة.. الآن تجد مكلفاً من أربد والزرقاء وعمان والسلط والكرك ومأدبا والطفيلة والبادية الجنوبية والشرقية ومعان والمفرق وعجلون وجرش، كلهم في ثكنة واحدة يجلسون على طاولة واحدة، يتدربون سويةً ويتسامرون ويتحاورون في شؤون وأحوال ما كانت لتتوفر لهم لولا شويعر.. باختصار: هذه الخشونة.. تلك الرجولة.. النخوة.. النظام.. الوقت وقيمته.. تنفيذ الأمر.. التعاون.. روح الجماعة.. كلها وأكثر هي من مخرجات ذلك الصرح الوطني في شويعر.. الآن في العشرين من أيار القادم سيكون موعد تخريج هذه الدفعة الرائعة التي أرى فيها نموذجاً وطنياً ينبغي الإشادة به.. فهؤلاء الرجال ما كان لهم أن يحظوا بكلّ هذه الرجولة والانضباط لولا شويعر والقائمين عليها.. وهي تجربة تستحق المتابعة والديمومة واستمرار تعاقب الدفعات من هذه الأجيال التي كادت أن تتشوّه وتختفي هويتها وملامحها الوطنية وسط هذا الفيض المعولم والاغتراب الفكري والوجداني.. إن مشروع التدريب والتشغيل الذي قام بوضع برنامج مهاراتي للمكلفين والذي احتوى على عدد من المحاضرات التعريفية بقانون العمل والضمان الاجتماعي والتواصل والإشراف، وتضمن تعريفاً بعالم المهن وبما يقدمه المشروع من برامج تدريبية في تخصصات مطلوبة ومرتبطة بالتشغيل مباشرةً.. وهذه الفكرة الرائدة ينبغي التنويه بها لأنها إضافة مثرية لبرنامج مصانع الرجال في القوات المسلحة وهي تعدّ رديفاً مسانداً من حيث توفير المهن الكريمة واللائقة ذات الفرص المتاحة في سوق العمل.. هذا كلّه جهد وطني يسهر عليه رجال مخلصين ومثابرين في سبيل تقديم الأفضل والأجدى للمواطن أينما كان.. أرجوكم أن تسمحوا لي ثانيةً بأن أحيي كلّ الأيدي التي صافحناها في شويعر والوجوه المشرقة التي التقيناها.. دعوني أحيي المكلفين في شخص ونموذج محمد الحناوي.. ولنا لقاء قادم ومتجدد في شويعر بإذن الله..








طباعة
  • المشاهدات: 30559
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
29-04-2008 04:00 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم