حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,26 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6180

عالية الزبيدي تكتب: مسافرة بين مدائن الماضي

عالية الزبيدي تكتب: مسافرة بين مدائن الماضي

 عالية الزبيدي تكتب: مسافرة بين مدائن الماضي

26-04-2026 01:01 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : عالية الزبيدي
أحياناً… ومن غير موعد، يمرّ بنا طيفٌ خفيف… كأنه يدُ ذاكرةٍ تربّت على أكتافنا المتعبة برفق، فنهدأ فجأة دون أن نعرف لماذا. نسرح قليلاً، ونبتسم بمرارةٍ حلوة، ثم ندرك—متأخرين—أننا لم نكن هنا تماماً… بل كنا هناك، في مكانٍ قديمٍ يسكننا أكثر مما نزوره، مكانٍ لا تصله الخرائط، لكن تدلّ عليه نبضات القلوب، كأن القلب وحده يعرف الطريق حين تضيع كل الدروب، وكأن تلك الأماكن لا تنتظر عودتنا بقدر ما تعيش فينا بصمتٍ دافئ، تستيقظ فجأة في لحظةٍ عابرة، فتربكنا، وتحتضننا، وتترك في أعماقنا رعشةً خفيفة لا نملك لها تفسيراً.

هناك، حيث كانت الأشياءُ بكرًا، والقلوبُ أخفّ من ريشة، وحيث ما زال في أعماقنا ذلك الصوت الصغير الذي لم تلوّثه الخيبات، يهمس لنا إن في الدنيا شيئاً يستحق أن نتمسك به، صوتٌ يشبهنا قبل أن نتعلّم الحذر، وقبل أن نُتقن إخفاء ما نشعر به. لنكتشف في تلك اللحظة، أننا لا نحتاج إلى تذاكر سفر لنصل… يكفي أن نغمض أعيننا، لتنهمر الذكريات كالمطر، ونبدأ رحلةً لا تشبه أي سفر، رحلةً وجهتها نحن كما كنا قبل أن يسرقنا الوقت، قبل أن تثقلنا الأيام، وقبل أن ننسى كم كان الوصول إلى الفرح بسيطاً.

أنا اليوم مسافرة… لكن بصراحة، لا أعرف في أي محطةٍ سألقي مرساتي. كلّ ما أعرفه أنني عدتُ إلى داخلي، أفتش في الزوايا المنسية عن بقاياي. لا أحمل معي حقائب؛ فقط أشياء صغيرة لا تُرى بالعين… رائحة ياسمين قديم كانت تلتصق بثيابي، ضحكة مخبوءة في ركن بعيد، وضوء شمسٍ كان ينسكب من نافذة بيتنا العتيق، يطبع قُبلاته على وجوهنا واحداً واحداً. أشياء بسيطة… لكنها، بطريقة ما، هي وحدها التي تُشعرني اليوم بالدفيء في عالمٍ يزداد برودة.

أوّل مدائني كانت مدينة الطفولة… لا أعرف إن كانت مكاناً على الأرض، أم أنها كانت الجنة المستعارة. كلّ شيء هناك كان مدهشاً لدرجةٍ تُبكي القلب الآن.
كنّا نفرح لكسرة خبز، ونغضب من أجل لعبة، ثم يغسل المساءُ قلوبنا بالنسيان. أتذكر ملمس الطائرة الورقية وهي تقاوم الريح، وكأنها كانت تدربنا على الصمود قبل الأوان. أتذكر صوت أمي وهو ينساب في أزقة الحارة كترنيمة أمان. تلك التفاصيل الصغيرة كانت هي الكون بأكمله، والآن، برغم اتساع العالم حولنا، نشعر بضيقٍ لأننا فقدنا تلك الدهشة.

والغريب… أنني كلما حاولتُ أن أغرز قدمي في أرض تلك المدينة، شعرتُ أنها أصبحت أرضاً محرّمة، لا ترفضني تماماً لكنها لا تعترف بي كما كنت، كأن الطفولة تحفظ ملامحي القديمة أكثر مما تعرفني الآن، كأنها بيتٌ قديم نسينا مفاتيحه في جيوب ثيابٍ لم تعد تناسبنا، نقف أمامه ونحن نعرفه جيداً ونحبه بصمت لكننا لا نستطيع الدخول، فنكتفي بأن نطلّ من نافذته الصغيرة كلما ضاقت بنا الأيام، نرى ضحكاتنا تركض هناك فنبتسم ثم نبتعد بهدوء، لا نبحث عن عودةٍ كاملة بقدر ما نبحث عن شعورٍ يشبهها، عن طمأنينةٍ كانت تأتي بلا سبب، نغادرها في كل مرة كما دخلناها بخفّةٍ لا تُرى وثقلٍ لا يُحكى، ومع ذلك… نظلّ نعود ولا نستطيع الدخول.

ثم وجدتُ نفسي في مدينةٍ صاخبة، تغلي بالأحلام… إنها مرافئ الشباب. هناك كان النبضُ عالياً، والخوفُ معدوماً. كنّا نحلم بجناحاتٍ من ورق، ونظن أننا سنطير بها فوق الجبال. تركتُ هناك قطعاً من روحي… رسائل لم تكتمل جفّ حبرها، ووعوداً ظننا أنها أبدية، ونسخةً مني كانت بريئة لدرجة السذاجة، تظن أن كل يدٍ تمتد إليها هي يدُ صديق.
اليوم، أنظر لتلك النسخة بأسى جميل؛ لا أندم على اندفاعها، فقد علمتني أن الحلم، حتى لو انكسر، يترك خلفه شظايا تلمع في عتمة الواقع.

وبعدها… وصلتُ إلى تلك المدائن الصامتة. الأماكن التي لا نسكنها، بل تسكن في غصاتنا. هناك وجوه غابت، لكن ملامحها محفورة في سواد العين. هنا، الحنين ليس شعراً، بل هو ثقلٌ في الصدر. نتذكر، فنبتسم بوهنٍ يداري غصّة، ثم نسكت فجأة حين ندرك أن صمتنا هو أبلغ صلاةٍ نرفعها لأولئك الذين غادروا أماكنهم، لكنهم لم يغادروا مسامُعُنا قط.
لكنني بدأتُ أفهم أن الذين رحلوا لم يغادروا إلا ليتخذوا من قلوبنا بيوتاً دائمة. صاروا هم القوة التي نتوكأ عليها حين تخذلنا أقدامنا.

حين انتهت هذه الرحلة—أو ربما حين تعب قلبي من طرق أبوابٍ موصدة—عدت. لا أقول إنني عدتُ كما كنت. لقد أخذت المدائنُ مني شيئاً، وأعطتني أشياء. عدتُ بهدوءٍ يشبه هدوء البحر بعد عاصفةٍ طويلة. لم أعد أبحث عن إجابات، بل تعلمتُ كيف أحبُّ الأسئلة نفسها. أدركت أن العودة إلى الماضي ليست غرقاً، بل هي تزوّدٌ بالوقود لنكمل الطريق. نحن نعود لنصالح تلك النسخ القديمة منا، لنربت على كتف الطفلة التي فينا، ونقول للشابة المندفعة شكراً لأنكِ كنتِ شجاعة.

أنا الآن هنا… بجسدي، لكن قلبي موزّعٌ بين تلك المدائن، لا أستطيع التخلّي عنها لأنني لو فعلت سأصبح بلا ظل، بلا تلك الطبقات الخفية التي صنعتني بصمت وأعطت لحضوري هذا المعنى، فأجمل ما في الماضي أنه حقيقتنا الوحيدة في عالمٍ ممتلئ بالزيف، أنه الشيء الذي لم نحسب له حساباً حين كان يحدث ثم اكتشفنا لاحقاً أنه كان كلّ ما نملك، وربما الأجمل أيضاً أنه يعطينا الحق بأن نبتسم بصدق كلما مرّ بخيالنا طيفُ ياسمينةٍ قديمة فنشعر، ولو لوهلة، أن شيئاً جميلاً ما زال فينا لم تمسّه الأيام.








طباعة
  • المشاهدات: 6180
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
26-04-2026 01:01 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. من سيقدم تنازلات من أجل التوصل لصفقة شاملة تمنع عودة حرب ترامب ونتنياهو ضد إيران؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم