حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,22 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 7906

م.صلاح طه عبيدات يكتب: المراهقة الإدارية والسياسية وآثارها

م.صلاح طه عبيدات يكتب: المراهقة الإدارية والسياسية وآثارها

م.صلاح طه عبيدات يكتب: المراهقة الإدارية والسياسية وآثارها

22-04-2026 04:17 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : م. صلاح طه عبيدات
ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدول تلك التي تأتي من الخارج، بل تلك التي تنبع من داخل غرف القرار، حين يتسلل إلى مؤسسات الحكم نمط من السلوك يمكن وصفه بـ”المراهقة الإدارية والسياسية”. هنا لا نتحدث عن العمر، بل عن العقل؛ لا عن السنوات، بل عن مستوى النضج في إدارة الشأن العام. فكم من مسؤول يحمل من الألقاب ما يثقل اسمه، لكنه يتصرف بخفة مراهق لم يتعلم بعد أن للقرار ثمنًا، وللسلطة تبعات.
المراهقة في بعدها الإنساني مرحلة ضرورية للنمو، لكنها حين تنتقل إلى السياسة والإدارة تتحول من ظاهرة طبيعية إلى خلل بنيوي. هي حالة من الاندفاع غير المحسوب، حيث يُستبدل التفكير الاستراتيجي بردود الفعل، ويُقدَّم الانفعال على التعقل، وتُدار المؤسسات بمنطق “إثبات الذات” بدل تحقيق الصالح العام. المسؤول المراهق لا يرى الدولة كمنظومة، بل كمنصة لإظهار القوة أو تسجيل المواقف، فيغدو القرار أقرب إلى استعراض منه إلى إدارة.
تتجلى مظاهر هذه المراهقة في صور متعددة؛ أولها القرارات المتسرعة التي تولد في لحظة انفعال وتموت في أول اختبار واقعي. وثانيها التناقض الصارخ في السياسات، حيث يصبح التراجع سمة يومية لا نتيجة مراجعة علمية، بل انعكاسًا لغياب الرؤية. وثالثها الشخصنة المفرطة، حين تتحول المؤسسة إلى امتداد لذات المسؤول، فيختلط العام بالخاص، وتضيع الحدود بين المصلحة الوطنية والنزعة الفردية. أما أخطر المظاهر، فهو التعامل مع النقد بوصفه تهديدًا، لا فرصة للتصحيح، فتُغلق أبواب الحوار ويُستبدل بها خطاب دفاعي أو هجومي يزيد الفجوة بين الحاكم والمحكوم.
لكن هذه الظاهرة لا تنشأ في فراغ؛ فهي وليدة أسباب عميقة. في مقدمتها غياب منظومات التأهيل القيادي، حيث يصل البعض إلى مواقع القرار دون امتلاك أدوات التفكير المؤسسي أو الخبرة التراكمية. ويضاف إلى ذلك ضعف المساءلة، فحين تغيب المحاسبة، يتمدد الخطأ ويتحول إلى نمط. كما تلعب الثقافة التنظيمية دورًا حاسمًا؛ فالمؤسسات التي تكافئ الولاء على حساب الكفاءة، تُنتج بالضرورة قيادات مراهقة، تتقن إرضاء الأعلى أكثر مما تتقن خدمة المصلحة العامة. ولا يمكن إغفال أثر البيئة السياسية العامة، فإذا كانت تقوم على ردود الأفعال، والانقسام، وغياب التخطيط بعيد المدى، فإنها تعيد إنتاج هذا النمط في مستويات متعددة.
انعكاسات هذه المراهقة على الوطن عميقة ومركبة. فهي تُفقد الدولة بوصلتها، فتتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويصبح الاستقرار هشًا، قائمًا على التوازنات اللحظية لا على قواعد راسخة. كما تؤدي إلى هدر الموارد، لأن القرار غير الناضج مكلف بطبيعته، ولأن التراجع عنه يضاعف الكلفة. وعلى مستوى المواطن، تتجسد الآثار في شكل خدمات متذبذبة، وسياسات متناقضة، وشعور عام بعدم اليقين. المواطن في ظل هذه الحالة لا يعرف إلى أي اتجاه تسير الدولة، فيفقد الإحساس بالأمان المعنوي، وهو أساس أي عقد اجتماعي سليم.
فلسفيًا، يمكن القول إن المراهقة السياسية والإدارية هي تعبير عن أزمة في الوعي بالسلطة. فالسلطة في جوهرها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون أداة نفوذ، وحين تُفهم بوصفها امتيازًا لا تكليفًا، تنحرف عن مسارها. المسؤول الناضج يدرك أنه عابر في موقعه، وأن ما يبقى هو الأثر، أما المسؤول المراهق فيتصرف وكأن اللحظة ملكه، فيُغرق الحاضر في نزواته ويترك المستقبل يدفع الثمن.
إن الخروج من هذه الحالة لا يكون بالشعارات، بل ببناء منظومات حقيقية للنضج المؤسسي: تأهيل قائم على المعرفة والخبرة، مساءلة صارمة لا تستثني أحدًا، ثقافة تنظيمية تعلي من قيمة الكفاءة، وآليات صنع قرار تعتمد على البيانات لا المزاج. عندها فقط تنتقل الدولة من طور الاندفاع إلى طور الرشد، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
ليست المشكلة أن يخطئ المسؤول، فالخطأ جزء من الفعل الإنساني، بل أن يُدار الخطأ بعقلية مراهقة، فتتحول الهفوة إلى نهج، والتجربة إلى عبء. وبين دولة يحكمها النضج وأخرى تقودها المراهقة، يتحدد مصير الأوطان، وتتفاوت حياة المواطنين بين الاستقرار والقلق، وبين الأمل والخذلان.











طباعة
  • المشاهدات: 7906
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
22-04-2026 04:17 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. من سيقدم تنازلات من أجل التوصل لصفقة شاملة تمنع عودة حرب ترامب ونتنياهو ضد إيران؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم