حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,22 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 8050

اللواء الغبين يكتب: كيف غيّرت إيران مفهوم الردع العسكري؟

اللواء الغبين يكتب: كيف غيّرت إيران مفهوم الردع العسكري؟

 اللواء الغبين يكتب: كيف غيّرت إيران مفهوم الردع العسكري؟

21-04-2026 08:03 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : اللواء الركن م/ طلال الغبين
لم تعد القوة العسكرية في العصر الحديث تُقاس بعدد الطائرات المقاتلة أو حجم الإنفاق الدفاعي فقط. فالحروب الأخيرة أثبتت أن امتلاك السلاح الأغلى لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الأعلى على الردع، وأن الجيوش الحديثة قد تجد نفسها عاجزة أمام خصم يمتلك أدوات أقل كلفة وأكثر مرونة وقدرة على الاستنزاف.

حين تنفق دولة مليارات الدولارات على سلاح الجو ومنظومات الدفاع المتطورة، ثم تجد نفسها أمام أسراب من المسيّرات الرخيصة وصواريخ دقيقة قادرة على تجاوز جزء من هذه الدفاعات، فإن معنى القوة يكون قد تغيّر بالفعل.

هذا ما أدركته إيران مبكراً.

فإيران عرفت جيداً أنها لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة أو إسرائيل في التفوق الجوي أو التكنولوجيا العسكرية أو أنظمة القيادة والسيطرة. ولذلك لم تدخل سباقاً خاسراً لاستنساخ النموذج العسكري الغربي، بل اتجهت إلى بناء نموذج مختلف يقوم على الردع غير المتماثل.

بدلاً من محاولة امتلاك طائرات تضاهي الطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية، استثمرت إيران في الصواريخ الباليستية والمسيّرات بعيدة المدى والقواعد المحصنة ومنصات الإطلاق المتحركة. لم تكن تسعى إلى السيطرة الكاملة على ميدان المعركة، بل إلى جعل أي حرب ضدها مكلفة إلى الحد الذي يدفع خصومها إلى إعادة التفكير قبل اتخاذ قرار المواجهة.

فالردع التقليدي يقوم على امتلاك قوة نارية أكبر أو قدرة جوية تسمح بحسم المعركة سريعاً. أما إيران فبنت ردعها على فكرة مختلفة: إذا لم أستطع منعك من مهاجمتي، فسأجعلك تدفع ثمناً أكبر مما تستطيع تحمله.

ومن هنا أصبحت أدوات الردع الجديدة بالنسبة لإيران بديلاً عملياً عن جزء كبير من القوة الجوية. فالطائرة الحديثة تحتاج إلى مطارات وقواعد وصيانة وطيارين وكلفة تشغيل مرتفعة، بينما يمكن إطلاق الصاروخ أو المسيّرة من مواقع مخفية وبسرعة أكبر ومن دون الحاجة إلى تعريض الطيارين للخطر.

وهكذا تغيّرت المعادلة. أصبح الدفاع في كثير من الأحيان أغلى من الهجوم، وأصبح الصاروخ الرخيص قادراً على استنزاف صاروخ اعتراضي باهظ الثمن، وأصبحت المسيّرة الصغيرة قادرة على إرباك منظومات دفاعية صُممت أساساً لاعتراض الطائرات والصواريخ الثقيلة. وهذا ما أجبر خصوم إيران على إنفاق مليارات إضافية على الدفاع الجوي والإنذار المبكر والحماية البحرية.

وقد أثبتت التطورات العسكرية الأخيرة أن أدوات منخفضة الكلفة قادرة على إرباك خصوم يمتلكون تفوقاً جوياً وتقنياً كبيراً.

هنا لم تعد الحرب معركة بين طائرات وطائرات، بل بين من يستطيع الاحتمال أكثر.

إيران لم تبحث عن السلاح الأقوى، بل عن السلاح الذي يجعل الحرب على خصومها غير قابلة للتحمل.

لكن امتلاك هذه الأدوات لم يكن كافياً بحد ذاته، لأن استمرارها كان يحتاج أيضاً إلى قاعدة صناعية محلية قادرة على إنتاجها وتطويرها. فالعقوبات الطويلة والقيود الغربية دفعت إيران إلى الاعتماد على الذات في تطوير صناعاتها الدفاعية.

كما أن العقيدة العسكرية الإيرانية لعبت دوراً مركزياً في هذا التحول. فإيران لم تبنِ استراتيجيتها على فكرة الانتصار السريع، بل على امتصاص الضربة الأولى وإطالة أمد المواجهة. هذه العقيدة، إلى جانب صلابة القيادة السياسية والعسكرية، جعلت الردع الإيراني قائماً على الصبر والاستنزاف أكثر من اعتماده على الحسم السريع.

وتكمن قوة هذا النموذج في أنه لا يحتاج إلى الانتصار الكامل، بل يكفيه أن يمنع خصمه من تحقيق نصر سريع أو منخفض الكلفة.

وفي العقيدة الغربية تقوم القوة على السيطرة الجوية أولاً، وعلى شل الخصم في الأيام الأولى من الحرب. أما في العقيدة الإيرانية، فتقوم القوة على القدرة على البقاء والرد حتى بعد تلقي الضربة الأولى.

كما أن الردع الإيراني لم يعد يعتمد على الصواريخ والمسيّرات فقط، بل أصبح ردعاً متعدد الطبقات يجمع بين القوة العسكرية، والحرب النفسية، والقدرات السيبرانية، والجغرافيا، والقدرة على فتح أكثر من جبهة في وقت واحد.

ولم تعتمد إيران على السلاح والعقيدة فقط، بل استثمرت موقعها الجيوسياسي أيضاً. فإشرافها على مضيق هرمز منحها ورقة ضغط استراتيجية هائلة، لأن إغلاق المضيق يهدد حركة النفط العالمية والتجارة الدولية وأمن القواعد العسكرية في الخليج. فإيران أدركت أن إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه قد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من استخدام الصواريخ نفسها، لأنه يرفع أسعار النفط عالمياً ويضغط على الاقتصاد العالمي.

لكن، وبرغم نجاح هذا النموذج في رفع كلفة الحرب على الخصوم، فإنه لا يمنح إيران تفوقاً كاملاً أو قدرة مطلقة على الحسم. فهذا النموذج يعتمد على الاستنزاف أكثر من اعتماده على السيطرة الكاملة على المعركة، ويمنح إيران قدرة على الردع والصمود، لكنه لا يلغي الفجوة الكبيرة بينها وبين خصومها في مجالات التفوق الجوي والتكنولوجي.

وإذا كانت إيران قد نجحت في فرض هذا النوع من الردع، فإن السؤال الأهم اليوم هو: كيف يجب أن تفكر الدول العربية في مواجهة هذا التحول؟

أما بالنسبة للدول العربية، فإن الدرس الأهم لا يتعلق بتقليد النموذج الإيراني حرفياً، بل بفهم التحولات التي فرضتها الحروب الحديثة. فشراء الطائرات والدبابات لم يعد كافياً إذا لم يترافق مع دفاعات ضد الوسائل منخفضة الكلفة، وحماية للبنية التحتية، وقدرات في الأمن السيبراني، وصناعات دفاعية محلية، ومنظومات إنذار مبكر قادرة على التعامل مع التهديدات الجديدة.

كما أثبتت الحروب الحديثة أن حماية الأهداف الحيوية قد تكون أحياناً أهم من امتلاك القدرة على الرد، لأن الدولة قد تُشل من الداخل حتى لو بقي جيشها قادراً على القتال.

المشكلة في كثير من الدول العربية ليست نقص السلاح، بل بناء عقائد دفاعية ما تزال تفكر بعقلية الطائرة والدبابة، بينما تتحرك التهديدات الحديثة عبر المسيّرات والصواريخ والحرب الإلكترونية. فالجيوش التي بُنيت لعقود على التفوق الجوي والحرب السريعة قد تجد نفسها أمام خصوم يراهنون على الوقت والاستنزاف ورفع الكلفة.

وعلى الدول العربية أن تصل إلى قناعة بأن بناء منظومة دفاع عربية مشتركة لم يعد خياراً سياسياً بقدر ما أصبح ضرورة أمنية. فزمن الاعتماد الكامل على الحماية الغربية لم يعد مضموناً كما كان في السابق، خصوصاً في ظل تغير الأولويات الدولية وتراجع الاستعداد للتدخل المباشر. وهذا يفرض على الدول العربية إعادة تعريف التهديدات واتجاهاتها، وفهم طبيعة القوى الإقليمية القادرة على تهديد أمنها واستقرارها، سواء عبر التفوق العسكري المباشر أو عبر الصواريخ والمسيّرات والحروب غير التقليدية.

بهذا المعنى، لم تغيّر إيران أدوات الحرب فقط، بل غيّرت منطقها نفسه.

في الحروب الحديثة، لم تعد القوة لمن يملك السماء، بل لمن يستطيع الصمود على الأرض أطول وقت ممكن.

لقد أدركت إيران أن الدولة لا تحتاج دائماً إلى أن تكون الأقوى حتى تردع خصومها، بل يكفي أن تجعل كلفة الحرب عليها أكبر من قدرة الآخرين على تحملها.








طباعة
  • المشاهدات: 8050
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
21-04-2026 08:03 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. من سيقدم تنازلات من أجل التوصل لصفقة شاملة تمنع عودة حرب ترامب ونتنياهو ضد إيران؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم