حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,21 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6098

م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتحول الحافلة إلى مرآة لانكسار القيم

م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتحول الحافلة إلى مرآة لانكسار القيم

م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتحول الحافلة إلى مرآة لانكسار القيم

21-04-2026 12:45 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : م. صلاح طه عبيدات
لم تعد بعض الحافلات التي تجوب طرق القرى مجرد وسيلة نقل عابرة بين نقطة وأخرى، بل تحولت—في مشهد صادم ومؤلم—إلى فضاء مكثف يعكس اختلالات أعمق في البنية الاجتماعية والتربوية. ما يُسمع داخل تلك الحافلات لا يمكن وصفه بأنه مجرد ضجيج شباب عابر، بل هو ضجيج قيمي، يكشف عن تصدعات خطيرة في منظومة التنشئة، ويطرح أسئلة حادة لا يجوز تجاهلها أو التهرب منها.
حين يجلس المرء بين أولئك الفتية، لا يلبث أن يشعر وكأنه انتقل فجأة إلى بيئة منفلتة من كل ضابط، حيث تتطاير الألفاظ النابية كما لو كانت لغة طبيعية، وحيث يغيب الحياء لصالح استعراض فجّ للتمرد والابتذال. هنا، لا يكون السؤال عن سلوك فردي شاذ، بل عن حالة عامة آخذة في التوسع، وعن جيل يُدفع—بوعي أو بدونه—نحو هامش المجتمع قبل أن تتاح له فرصة الوقوف في متنه.
الأكثر إيلامًا ليس فقط ما يُقال، بل ما يكشفه ذلك القول من شعور داخلي بالانكسار. حين يعلن أحدهم، بلا تردد، أن من حوله “سقط”، فهو لا يصف الآخرين بقدر ما يعكس صورة ذاتية مهزوزة، تُرجمت إلى احتقار جماعي. إنها لغة اليأس حين تفقد الكلمات معناها، وتتحول إلى أدوات هدم بدل أن تكون جسورًا للتواصل.
لكن، هل يمكن اختزال المشهد في لوم هؤلاء الشباب وحدهم؟ هنا تكمن السهولة المضللة. فالمسألة أعمق من مجرد سلوكيات فردية؛ إنها نتيجة تراكمات: نظام تعليمي لم يستوعب الفروق ولم يمنح الجميع فرصًا عادلة، أسرٌ قد تكون منهكة أو غائبة، وبيئة مجتمعية تخلت تدريجيًا عن دورها الرقابي والتوجيهي. أما أولئك المصنفون في “الفروع غير الأكاديمية”، فقد وجدوا أنفسهم—في كثير من الأحيان—ضحايا لوصمة اجتماعية مبكرة، تُقصيهم بدل أن تحتضنهم.
ثم يأتي العامل الأخطر: الفراغ. فراغ المعنى، وفراغ الهدف، وفراغ الانتماء. في هذا الفراغ، تنمو السلوكيات المنحرفة، ويصبح التمرد وسيلة لإثبات الوجود، حتى لو كان ذلك الوجود مشوهًا. وعندما تتسلل آفة كالمخدرات إلى هذا المشهد، فإنها لا تجد صعوبة في التجذر، لأنها ببساطة وجدت أرضًا مهيأة.
إن وصف تلك الحافلة بأنها “مزبلة بشرية” قد يكون تعبيرًا عن صدمة آنية، لكنه في العمق يجب أن يُفهم كصرخة إنذار، لا كحكم نهائي. فالمجتمعات لا تُقاس بما يظهر على السطح فقط، بل بقدرتها على الاعتراف بأزماتها ومعالجتها. وهؤلاء الشباب، مهما بدت صورهم قاتمة، هم في نهاية المطاف نتاجنا جميعًا: أسرًا، ومدارس، ومؤسسات، وإعلامًا.
المطلوب اليوم ليس الشجب الأخلاقي السريع، بل مراجعة جادة: كيف نعيد الاعتبار لقيمة الاحترام؟ كيف نحول الحافلة من مساحة انفلات إلى مساحة أمان؟ كيف نمنح هؤلاء الشباب شعورًا بأنهم جزء من المستقبل، لا فائض عنه؟
لأن الحقيقة التي لا مفر منها، أن المجتمعات التي تترك أبناءها يتآكلون في الهامش، ستجد نفسها يومًا ما تعيش في ذلك الهامش ذاته.











طباعة
  • المشاهدات: 6098
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
21-04-2026 12:45 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. من سيقدم تنازلات من أجل التوصل لصفقة شاملة تمنع عودة حرب ترامب ونتنياهو ضد إيران؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم