حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,19 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4373

من أوكرانيا إلى إيران .. هل تغيرت قواعد هيمنة الدولار؟

من أوكرانيا إلى إيران .. هل تغيرت قواعد هيمنة الدولار؟

من أوكرانيا إلى إيران ..  هل تغيرت قواعد هيمنة الدولار؟

19-04-2026 10:31 AM

تعديل حجم الخط:

سرايا - يتزايد الحديث منذ جائحة كورونا، مروراً بحرب أوكرانيا، ووصولاً إلى التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط بفعل حرب إيران، عن بداية نهاية هيمنة الدولار.

لكن البيانات تكشف واقعاً أكثر تعقيداً: تراجع تدريجي في بعض المؤشرات، مقابل رسوخ عميق في قلب النظام المالي العالمي.

الاحتياطيات: تراجع تدريجي.. وتنويع نحو الذهب تراجعت حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية إلى نحو 56% في 2025، مقارنة بنحو 59% في 2020 وأكثر من 70% مطلع الألفية، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، في إشارة إلى استمرار اتجاه التنويع بعيداً عن العملة الأميركية.

لكن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة استبدال الدولار بعملة واحدة، بل تحولاً تدريجياً نحو سلة أوسع من الأصول، تشمل الذهب وعملات أصغر.

يُظهر تحليل للاحتياطي الفيدرالي أن الحصة الحالية تعيد الدولار تقريباً إلى مستوياته في منتصف التسعينيات، مع استقرار نسبي منذ 2022 رغم تصاعد استخدامه في العقوبات المالية بعد حرب أوكرانيا.

كما يشير صندوق النقد إلى أن الجزء الأكبر من هذا التراجع لم يذهب إلى العملات الرئيسية، مثل اليورو أو الين أو الإسترليني، بل إلى ما يُعرف بـ"العملات غير التقليدية"، مثل الدولارين الأسترالي والكندي، إلى جانب الوون الكوري والدولار السنغافوري والعملات الإسكندنافية.

ويعكس ذلك توجهاً نحو تنويع المخاطر داخل النظام المالي القائم، في ظل غياب بديل رئيسي قادر على منافسة الدولار من حيث العمق والسيولة، إلى جانب القيود التي تحد من استخدام بعض العملات الكبرى مثل اليوان.

في المقابل، يبرز الذهب كأحد أهم المستفيدين من هذا التحول، إذ تشير تحليلات "بلومبرغ" التي تستند إلى بيانات صندوق النقد الدولي ومنهجية تقييم معدّلة، إلى أن القيمة السوقية لاحتياطات الذهب لدى البنوك المركزية تجاوزت نظيرتها من الأصول الدولارية لأول مرة منذ أواخر التسعينيات.

كما يظهر أن الطلب الفعلي على الدولار، بعد استبعاد العوائد، انخفض بنحو 15% منذ ذروته في 2014، في وقت زادت فيه حيازات الذهب الفعلية، ما يعزز فرضية التحول في تفضيلات الاحتياطيات.

في الخلفية، يواصل الذهب ترسيخ موقعه كـ"بديل صامت". بلغت مشتريات البنوك المركزية نحو 863 طناً في 2025، بحسب مجلس الذهب العالمي، وهو مستوى أقل من ذروة السنوات الثلاث السابقة، لكنه لا يزال أعلى بكثير من متوسط العقد السابق، ما يعكس استمرار توجه البنوك المركزية نحو تنويع الأصول والتحوط من المخاطر الجيوسياسية.

التمويل العالمي: قبضة أوضح للدولار إذا كانت صورة الاحتياطات توحي بتراجع تدريجي في مكانة الدولار، فإن مؤشرات التمويل الدولي تعكس واقعاً أكثر صلابة.

تشير بيانات بنك التسويات الدولية إلى أن الائتمان المقوم بالدولار خارج الولايات المتحدة بلغ 14 تريليون دولار بنهاية 2025، أكثر من نصفه في صورة أدوات دين، ما يبرز اتساع الاعتماد العالمي على العملة الأميركية في التمويل.

كما تُظهر دراسة "الدور الدولي للدولار" الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي في 2025 أن الدولار لا يزال يمثل نحو 60% من إصدارات الدين بالعملات الأجنبية منذ 2010، مقابل نحو 26% لليورو، فيما يستحوذ أيضاً على نحو 55% من المطالبات المصرفية الدولية وقرابة 60% من الالتزامات، وهي مستويات بقيت مستقرة نسبياً على مدى سنوات.

الأرقام تعكس حقيقة أساسية وهي أن الدول والشركات التي تريد تقليل انكشافها على الدولار لا تزال تعتمد عليه بسبب عمق أسواقه، وسيولته، وانخفاض كلفة التمويل مقارنة بالبدائل.

لكن هذه الهيمنة لا ترتبط فقط بخصائص السوق، بل أيضاً بالآلية التي دعمتها لعقود. قام النظام المالي العالمي على تدفقات مستمرة من الخارج، خصوصاً من الصين ودول الخليج، التي أعادت تدوير فوائضها بالدولار إلى الأصول الأميركية.

تشير تقديرات "بلومبرغ" إلى أن هذه التدفقات، التي بلغت نحو 5 تريليونات دولار في ذروتها، ساهمت في خفض كلفة الاقتراض في الولايات المتحدة بنحو نصف نقطة مئوية، ما دعم الاستثمار والنمو.

لكن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً. فالصين قلّصت وتيرة تراكم احتياطاتها الدولارية، بينما تعيد دول الخليج توجيه فوائضها نحو الاستثمار المحلي والمشاريع الكبرى، ما يعني أن الدولار لا يزال مهيمناً على التمويل العالمي، لكن البيئة التي دعمت هذه الهيمنة لعقود بدأت تتغير.

التجارة العالمية: ضجيج فك الارتباط في التجارة العالمية، تبدو الصورة أكثر التباساً، إذ تصاعد الخطاب السياسي منذ 2022 حول التسعير بالعملات المحلية وتوسيع استخدام اليوان، لكن البيانات لا تشير حتى الآن إلى تحول جذري في هيكل النظام.

خلصت دراسة مشتركة لخبراء من البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد، تغطي أكثر من 120 دولة حتى 2023، إلى أن الدولار واليورو معاً ما زالا يمثلان أكثر من 80% من الفوترة التجارية العالمية. وعند استبعاد التجارة داخل منطقة اليورو، ترتفع حصة الدولار وحده إلى نحو 60% من فوترة الصادرات العالمية، بينما تبقى حصة الرنمينبي أقل من 2% عالمياً رغم ارتفاعها التدريجي.

وتؤكد تحليلات لصندوق النقد من العام 2025 أن هذه الحصص بقيت "مستقرة على نطاق واسع" في السنوات الأخيرة، مع استمرار هيمنة الدولار على تجارة السلع الأساسية، لا سيما في تجارة النفط، رغم تصاعد الدعوات لاستخدام عملات بديلة.

مع ذلك، تظهر التحولات على المستوى الإقليمي. ارتفعت حصة اليوان في تجارة الصين مع دول العالم إلى نحو 25% في 2023 مقارنة بـ2% فقط في 2010، ما يعكس توجهاً لتوسيع استخدام العملة المحلية في المعاملات الثنائية. كما يرتبط ذلك بتحول بكين نحو نظام سعر صرف أكثر مرونة، ما يقلل الحاجة إلى تكديس الدولار وتقليص تدخلها في سوق الصرف.

هذه التطورات تضعف السردية القائلة إن مجرد الإعلان عن تسويات بالعملات المحلية يعني تراجعاً سريعاً في هيمنة الدولار، إذ تبقى حتى الآن انتقائية ومحدودة النطاق.

وتكتسب هذه المسألة حساسية أكبر في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة، خصوصاً في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

طالع أيضاً.. الدولار يتخلى عن مكاسبه منذ بداية العام بعد هدنة إيران

فأي اضطراب في هذا الممر لا يقتصر تأثيره على الإمدادات والأسعار فقط، بل يمتد إلى آليات التسعير وعملات التسوية، نظراً إلى أن تجارة النفط لا تزال تُسعَّر إلى حد كبير بالدولار.

وأعاد الصراع في إيران إحياء الحديث عن استخدام اليوان في تجارة الطاقة، مع تقارير عن قبول مدفوعات بالعملة الصينية مقابل تسهيل عبور السفن عبر مضيق هرمز. كما سجل نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود الصيني "سيبس" (CIPS) مستويات قياسية في حجم المعاملات، متجاوزاً حاجز التريليون يوان للمرة الأولى، ما يعكس تنامياً في الطلب على العملة الصينية في سياقات مرتبطة بالطاقة.

كما اعتبرت ماليكا ساشديفا، الاستراتيجية لدى "دويتشه بنك"، أن الحرب قد تشكل "عاملاً محفزاً لتآكل هيمنة البترودولار وبداية صعود البترويوان"، في ظل تصاعد الضغوط على نظام التسعير التقليدي للنفط.

ومع ذلك، يرى محللون، من بينهم تشي لو لدى "بي إن بي باريبا" لإدارة الأصول، أنه رغم أن صراعات الشرق الأوسط ستعزز الحوافز لاستخدام الرنمينبي في تجارة النفط، لا سيما في الدول النامية، إلا أنه يبقى مرتبطاً بظروف استثنائية مثل العقوبات والقيود الجيوسياسية، ولا يرقى إلى تحول هيكلي في نظام تسعير النفط العالمي.

وبهذا يبقى أثرها العالمي محدوداً، ما لم تتحول هذه المبادرات إلى ترتيبات دائمة وواسعة النطاق لتسعير الطاقة وتسويتها بعملات بديلة.

المدفوعات: الدولار "بنية تحتية" للنظام المالي لا يظهر الاختبار الأوضح لقوة الدولار في الاحتياطات أو حتى التجارة، بل في أنظمة المدفوعات العالمية التي تشكّل العمود الفقري للتدفقات المالية عبر الحدود.

تشير بيانات "سويفت" لشهر فبراير 2026 أن الدولار استحوذ على نحو 57.5% من المدفوعات الدولية عند استبعاد المدفوعات داخل منطقة اليورو، وعلى نحو 50% من إجمالي المدفوعات عالمياً، ما يعكس استمرار هيمنته على حركة الأموال عالمياً.

في المقابل، بلغت حصة اليوان 2.1% فقط، رغم تحسن ترتيبه في بعض الفترات، فيما تشير تقديرات الاحتياطي الفيدرالي إلى استقرار حصة الدولار عند نحو 50% مع ميل طفيف للارتفاع.

هذه الأرقام تفسر لماذا يبدو الحديث عن "نهاية الدولار" سابقاً لأوانه. فالدولار لا يعمل فقط كعملة احتياط أو أداة فوترة، بل بنية تشغيلية للنظام المالي العالمي، من المراسلات المصرفية وأسواق الصرف، إلى تسعير الديون وتمويل التجارة.

وحتى مع سعي بعض الدول إلى بناء قنوات بديلة، تبقى هذه المحاولات محدودة النطاق، إذ تظل معظم المعاملات في نهاية المطاف مرتبطة بنظام مالي عالمي يعتمد الدولار عملة مرجعية أو أداة تحوط نهائية.

ما الذي يضغط على هيمنة الدولار؟ رغم ذلك، لا يعني تماسك هيمنة الدولار أن الضغوط عليه محدودة، إذ كشفت السنوات منذ 2020 عن تحول تدريجي في البيئة الجيوسياسية والاقتصادية التي دعمت هذه الهيمنة لعقود.

يربط صندوق النقد الدولي هذا التحول بتزايد التجزؤ الاقتصادي العالمي، وتسارع الابتكار في التكنولوجيا المالية، إلى جانب توجه البنوك المركزية نحو تنويع احتياطاتها بعيداً عن الأصول التقليدية.

لكن نقطة التحول الأبرز جاءت بعد حرب أوكرانيا في 2022، حين قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتجميد نحو 300 مليار دولار من الأصول الروسية، في خطوة أظهرت أن الدولار لم يعد مجرد عملة احتياط، بل أداة يمكن استخدامها في الصراعات الجيوسياسية.

تشير دراسات مشتركة بين صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي إلى أن أنماط الفوترة التجارية بدأت تعكس بشكل متزايد الاصطفافات السياسية منذ ذلك الحين، مع لجوء بعض الدول إلى استخدام عملات بديلة في تجارتها الثنائية لتقليل الانكشاف على النظام المالي الغربي.

يظهر ذلك بشكل أوضح في الاقتصادات الخاضعة للعقوبات، حيث تُسوّى نسبة متزايدة من التجارة، مثل التجارة بين روسيا والصين، بعملات محلية، بما يشمل صفقات طاقة كبيرة خارج النظام الدولاري.

وفي بعض الاقتصادات التي ابتعدت سياسياً عن الغرب، تراجعت حصة الدولار واليورو في الفوترة التجارية بشكل ملموس، لكن هذه التحولات بقيت محصورة جغرافياً ولم تغيّر الصورة العالمية حتى الآن.

وجاءت الحرب في إيران والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز لتضيف طبقة جديدة من الضغوط، مع اضطراب تدفقات الطاقة وطرح تساؤلات حول استقرار نظام التسعير بالدولار.

إلى جانب الصدمات الجيوسياسية، يبرز الاستخدام المتزايد للدولار كأداة للعقوبات، خصوصاً بعد تجميد الأصول الروسية، كأحد أبرز العوامل التي دفعت الدول إلى إعادة تقييم مخاطر الاحتفاظ به.

في المقابل، يضيف ارتفاع الدين الأميركي ومستويات العجز المتصاعدة بعد جائحة كورونا طبقة أخرى من القلق، في وقت يبرز فيه الذهب كأحد أبرز المستفيدين، مع توجه البنوك المركزية لتعزيز حيازاته باعتباره أصلاً "محايداً".

 

 








طباعة
  • المشاهدات: 4373
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
19-04-2026 10:31 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضا

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم