18-04-2026 07:49 PM
سرايا - كتب - د. حسين سالم السرحان
قصة موجعة تختصر الكثير من المعاني التي كنا نظنها ثابتة لا تتغير، لكنها اليوم تهتز تحت وقع واقع أكثر تعقيدًا وقسوة. تابعتُ بمحض الصدفة كيف تحوّل نقل هدية إلى بلدٍ مجاور إلى تهمة، وكيف يتحوّل الجهل بالقانون إلى مأساة.
فأول الألم أن تأتي الطعنة من حيث نأمن،
وثانيه أن تهتز معها بقايا الثقة بين الناس، حتى في أبسط صور المعروف.
في واحدة من القضايا التي أُثيرت مؤخرًا، وجد أكاديمي وأستاذ جامعي نفسه في مواجهة اتهام خطير، إذ نقل “أمانة” بطلب من شخص يعرفه ويثق به، جاءت على شكل عبوتين من زيت الزيتون، لتُسلَّم إلى شخص في بلد عربي مجاور. غير أن تلك العبوتين كانتا تحتويان على مواد مخدرة، فتحولت الواقعة إلى منعطف حاد غيّر مسار حياته بالكامل، وهو أمر قد يتعرض له كثيرون في مثل هذه الظروف.
ما لم يكن في الحسبان أن تلك الهدية قد تخفي وراءها جريمة جسيمة، وأن حسن النية لا يكون دائمًا درعًا كافيًا أمام قوانين صارمة، خاصة في القضايا المرتبطة بالمخدرات ونقلها من مكان إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى؛ إذ تتعامل التشريعات في كثير من الدول مع الحيازة والنقل بقدر عالٍ من الحزم، بغض النظر عن النوايا أو الدوافع أو الادعاءات.
هذه الواقعة، بغض النظر عن تفاصيلها وظروفها القانونية، تضعنا أمام حقيقتين لا يمكن تجاهلهما:
الأولى: أن الجهل بالقانون لا يُعفي من المسؤولية، فالقوانين لا تُبنى على النوايا، بل على الوقائع المثبتة، والتعامل مع مواد محظورة—ولو دون علم—قد يضع الإنسان في دائرة المساءلة الجنائية الكاملة.
والثانية: أن نقل الأمانات والهدايا بين الأماكن، مهما كانت الثقة بمن يطلبها، لم يعد سلوكًا آمنًا في زمن تتعقد فيه أساليب الجريمة.
لقد تغيّرت طبيعة العلاقات، ولم تعد المعرفة القديمة أو الروابط الاجتماعية ضمانًا كافيًا. بل إن بعض شبكات الجريمة، ولا سيما شبكات الاتجار بالمخدرات والعقاقير الخطرة، تستغل هذه الثقة تحديدًا، وتراهن على بساطة الناس وحسن نواياهم لتمرير ما لا يمكن تمريره بطرق مباشرة.
إن أخطر ما في مثل هذه القضايا ليس فقط ما يترتب عليها قانونيًا، بل ما تكشفه من تحوّل عميق في بنية الأمان الاجتماعي. فحين يصبح المعروف مدخلًا محتملًا للأذى، يصبح لزامًا على الإنسان أن يعيد النظر في سلوكيات اعتادها، وأن يضع حدودًا واضحة، حتى في الأمور التي تبدو بسيطة.
الوعي القانوني لم يعد ترفًا، بل ضرورة يومية. أن تسأل، وأن تتحقق، وأن ترفض نقل أي شيء لا تعرف محتواه بدقة—كل ذلك لم يعد مبالغة في الحذر، بل سلوكًا مسؤولًا يحمي الإنسان من الوقوع ضحية، وربما متهمًا، في آن واحد.
كما أن الحذر من شبكات المخدرات لم يعد شأنًا أمنيًا فحسب، بل مسؤولية مجتمعية تبدأ من الفرد؛ فهذه الشبكات لا تستهدف فقط نشر السموم، بل تعتمد أيضًا على توريط الأبرياء، مستغلة الثقة والعلاقات الإنسانية.
إن الرسالة الأهم هنا ليست في تفاصيل قضية بعينها، بل في الدرس الذي يمكن أن نستخلصه جميعًا:
لا تحمل ما لا تعرف، ولا تمنح ثقتك دون حدود، ولا تفترض أن حسن النية كافٍ لحمايتك.
في عالم تتداخل فيه البساطة مع الخطر، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول، ويصبح الحذر—لا الشك المرضي—علامة نضج ومسؤولية.
ولمن يريد إرسال أمانات أو هدايا، فشركات الشحن بين الدول متوفرة، ولا داعي لمثل هذه المجاملات التي قد تتحول إلى مخاطر جسيمة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
18-04-2026 07:49 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||