18-04-2026 01:24 PM
بقلم : المتصرف السابق د. صالح العرود
لم تكن مسيرة الدولة الأردنية يومًا خالية من التحديات، بل تشكّلت عبر سلسلة من الأزمات والتحولات التي وضعتها مرارًا أمام اختبارات صعبة. غير أن ما ميّز هذه التجربة، ليس فقط القدرة على تجاوز تلك الأزمات، بل الكيفية التي تم بها ذلك؛ إذ لم تعتمد الدولة على أدوات القمع أو الإقصاء، بقدر ما استندت إلى شرعية متراكمة، أساسها الإنجاز وبناء الثقة مع المجتمع.
هذه الشرعية، التي ترسخت مع الزمن، لم تكن مجرد إطار سياسي، بل تحولت إلى قاعدة ناظمة للعلاقة بين الدولة ومواطنيها. فمن خلالها، استطاعت الدولة أن تدير التعدد والاختلاف، وأن تتعامل مع التباينات الفكرية والسياسية بوصفها جزءًا من حيويتها، لا تهديدًا لها. وهنا تحديدًا، برزت إحدى أهم سمات التجربة الأردنية: القدرة على الاحتواء بدل المواجهة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التحولات التي شهدها المشهد الداخلي، حيث انتقل بعض من كانوا يومًا في مواقع معارضة حادة أو ضمن خطاب راديكالي، إلى مواقع متقدمة داخل الدولة. هذا الانتقال لم يكن مجرد تبدل في المواقف، بل نتيجة لمسار تراكمي أتاح لهؤلاء إعادة تعريف علاقتهم بالدولة، ضمن إطار وطني أوسع يستوعب الاختلاف ولا ينفيه.
ولعل أكثر ما يعكس عمق هذا التحول، هو التغير في البعد الرمزي للانتماء. فالعلاقة مع الدولة لم تعد محكومة بمسافة أو تحفظ، بل باتت أقرب إلى التماهي الواعي معها. من كان يرى في رموز الدولة ما لا يمثله، أصبح اليوم يلتف حولها، مدفوعًا بإدراك متزايد بأن الاستقرار الذي تحقق لم يكن أمرًا عابرًا، بل نتاج نهج طويل من التوازن والحكمة.
وبذلك، لم تكتفِ الدولة الأردنية بإدارة الأزمات، بل نجحت في تحويلها إلى مسار تراكمي يعيد تشكيل العلاقة مع المجتمع. فكل مرحلة احتواء لم تكن نهاية خلاف، بل بداية اندماج أوسع، حيث يتحول المختلف تدريجيًا من موقع المواجهة إلى موقع المشاركة، ضمن إطار يحفظ للدولة هيبتها ويمنح للمجتمع دوره.
ومن هنا، تتبلور خصوصية التجربة الأردنية؛ إذ لا يتوقف الاحتواء عند حدود الاستيعاب السياسي، بل يمتد ليُعيد صياغة الوعي والسلوك. فالدولة لا تكتسب قوتها فقط من قدرتها على ضمّ المختلفين، بل من قدرتها على تحويل هذا الاختلاف إلى التزام فعلي بقيمها، بحيث يصبح الانتماء ممارسة يومية لا مجرد موقف مرحلي.
في المحصلة، تقدم التجربة الأردنية نموذجًا لدولة تبني استقرارها عبر الشراكة، لا الإقصاء، وعبر كسب أبنائها، لا فرض السيطرة عليهم. وهي معادلة لا تكتمل إلا عندما يتحول الاندماج في الدولة من موقعٍ تنظيمي إلى قناعةٍ عميقة تنعكس في السلوك والممارسة.
وأمنيتنا أن يكتمل هذا المسار، بأن لا يقتصر تحوّل هؤلاء على مواقعهم داخل الدولة، بل أن تنسجم ممارساتهم مع ما لمسوه من عدالة الدولة وروحها، وأن تصبح هذه العدالة جزءًا من منهجهم وسلوكهم. عدالةٌ مستلهمة من مبادئ الهاشميين، لا بوصفها مقارنة مع تجارب أخرى آمنوا بها يومًا، بل كقناعة راسخة تُترجم في الفعل، وتؤسس لمرحلة أكثر نضجًا في العلاقة بين الدولة وأبنائها....
د. صالح العرود متصرف سابق
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
18-04-2026 01:24 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||