حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,14 أبريل, 2026 م
  • الصفحة الرئيسية
  • كُتاب سرايا
  • ذكرى صالح تكتب: قراءة في الموقف الأوروبي من الحرب على إيران هل تنتقل أوروبا من الكسل الاستراتيجي إلى الاعتماد الذاتي؟
طباعة
  • المشاهدات: 6919

ذكرى صالح تكتب: قراءة في الموقف الأوروبي من الحرب على إيران هل تنتقل أوروبا من الكسل الاستراتيجي إلى الاعتماد الذاتي؟

ذكرى صالح تكتب: قراءة في الموقف الأوروبي من الحرب على إيران هل تنتقل أوروبا من الكسل الاستراتيجي إلى الاعتماد الذاتي؟

ذكرى صالح تكتب: قراءة في الموقف الأوروبي من الحرب على إيران هل تنتقل أوروبا من الكسل الاستراتيجي إلى الاعتماد الذاتي؟

14-04-2026 03:00 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : ذِكرى صالح
كثيرون تساءلوا بعد 28 فبراير 2026: لماذا لم تُخبر واشنطن حلفاءها الأوروبيين قبل أن تضرب إيران؟ لكن هذا السؤال يضع النقاط في المكان الخطأ. المسألة ليست أن أمريكا أخفت نواياها. المسألة أن أوروبا وضعت نفسها، على مدى عقود، في مكان لا يُسأل فيه أحد عن رأيه حين يُتخذ قرار من هذا الوزن. الاستبعاد لم يبدأ تلك الليلة. بدأ حين رضيت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية أن تتنازل عن القرار الاستراتيجي مقابل الحماية، ثم لم تتوقف عن هذا التنازل لثمانين سنة.
وما أحاول قوله هنا تحديداً: ما جرى في حرب إيران ليس خللاً في العلاقة الأطلسية، بل هو ثمرتها الطبيعية.

كيف وصلنا إلى هنا: أصل العقد وانكشافه
الجذر في ترتيبات ما بعد 1945. واشنطن عرضت صفقة مفهومة: أنا أحمي التجارة وأفتح أسواقي وأوفر المظلة النووية، وأنتم تلتزمون سياسياً وتتعاملون بالدولار. مشروع مارشال لم يكن إحساناً بل استثماراً. الناتو لم يكن تضامناً بل تفويضاً. والنتيجة أن أوروبا أُعفيت من كلفة الأمن الذاتي مقابل التخلي عن سيادة القرار العسكري.
كان هذا الترتيب منطقياً في ظروفه. لكنه تحوّل مع الوقت من ترتيب مؤقت إلى بنية دائمة، ومن بنية دائمة إلى ثقافة سياسية. نخب أوروبية بأكملها تربّت على فكرة أن أمريكا هي الضامن الذي لا بديل عنه. النخبة الألمانية نشأت على مدى جيلين كاملين على قناعة أن ألمانيا عاجزة بمفردها ما لم تدعمها واشنطن. وهذا ليس كلاماً نظرياً: نحو أربعين ألف جندي أمريكي ما زالوا في ألمانيا، وأهم مركزي قيادة أمريكيين خارج المحيط الهادئ يقعان في رامشتاين وفيسبادن. كل ما تفعله واشنطن في الشرق الأوسط يمر عبر الأراضي الألمانية.
وميركل جسّدت هذا المنطق حين راهنت على أن خطوط نورد ستريم ستروّض بوتين. الافتراض كان أن الترابط الاقتصادي يمنع الحرب. لكن هذا الافتراض خاطئ من أساسه. بريطانيا كان نصف تجارتها مع ألمانيا قبل 1914 وحاربتها رغم ذلك. العلاقات الاقتصادية لا تحمي من الحروب. هذه قاعدة في العلوم السياسية لا استثناء فيها.
لم ينكسر هذا الترتيب دفعة واحدة. تراكمت الصدمات عبر محطات: رفض فرنسا وألمانيا غزو العراق 2003 دون أن يغيّر الرفض شيئاً في القرار الأمريكي. ثم ترامب الأول 2017 بتشكيكه العلني في جدوى الناتو. ثم أوكرانيا 2022 وانكشاف العجز الأوروبي عن العمل العسكري المستقل. ثم ترامب الثاني بتهديداته في غرينلاند واختطاف مادورو ورسوم جمركية على حلفاء الناتو. المحصلة القابلة للقياس واضحة: وفقاً لمسح يوروباروميتر الرسمي، تراجعت النظرة الإيجابية الأوروبية لأمريكا من 47% في أكتوبر 2024 إلى 29% في ربيع 2025. في الدنمارك وحدها من 47% إلى 13%. وهذا قبل حرب إيران.
28 فبراير: الحرب التي كشفت كل شيء
فجر ذلك اليوم شنّ التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضربات واسعة على إيران. اغتيل خامنئي وكبار قادة النظام. ردّت طهران بصواريخ ومسيّرات طالت قواعد أمريكية ومنشآت خليجية، ووصلت مسيّرة إلى قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص. لأول مرة تلامس شظايا حرب شرق أوسطية أرضاً أوروبية بهذا الشكل المباشر.
ما يستحق التوقف عنده هو الفوضى داخل الإدارة الأمريكية نفسها. ترامب تحدث عن فرصة تاريخية للشعب الإيراني بما يشبه دعوة لإسقاط النظام. وزير دفاعه هيغسيث قال العكس في اليوم التالي. رويترز نقلت أن مسؤولين في البنتاغون أقرّوا أمام الكونغرس بغياب أي معلومات استخباراتية عن نية إيرانية لمهاجمة قوات أمريكية. السيناتور مارك وارنر أكّد ذلك علناً. يديعوت أحرونوت كشفت أن الإدارة تصورت أن أربعة أيام ستكفي لجلب طهران إلى التفاوض. لكن لاريجاني رفض، وإيران رفضت مقترح وقف إطلاق النار بعد أقل من يوم.
واشنطن دخلت حرباً لم تكن جاهزة لتبعاتها. لكن المسألة الأوروبية ليست في الارتجال الأمريكي، بل في السؤال: لماذا لم يكن ممكناً أصلاً أن تُستشار أوروبا؟
لماذا لم تُستشر: الشروط الثلاثة الغائبة
بإعتقادي أنه لكي تُستشار دولة قبل قرار حرب، يلزم ثلاثة أمور: قدرة عسكرية تُحسب، وآلية قرار سريعة، وموقف موحد. أوروبا كانت تفتقر إلى الثلاثة.
عسكرياً: لا جيش أوروبي موحد ولا قيادة مستقلة عن الناتو. أي قرار يحتاج توافق 27 دولة. قواعد الناتو وذخائره ومنظوماته كلها أمريكية الجوهر. صحيح أن ألمانيا صارت من أكبر المنتجين العسكريين في العالم. لكن القدرة الصناعية شيء والقدرة على اتخاذ قرار استراتيجي مستقل شيء آخر. الأولى تحتاج مصانع، والثانية تحتاج إرادة سياسية وبنية مؤسسية ما زالت غائبة. حتى الملف النووي يكشف عمق المأزق: حين حاولت ألمانيا وفرنسا التفاوض على ترتيب نووي مشترك، رفض الفرنسيون كشف كتالوغ أهدافهم لأن معظمها كان في ألمانيا ذاتها. الخطة الفرنسية كانت إيقاف الروس على الأراضي الألمانية قبل أن يصلوا إلى فرنسا.
سياسياً: غياب الموقف الموحد كان صارخاً. ألمانيا أصدرت بياناً حذراً بينما وصف شتاينماير العملية بالخطأ الكارثي. فرنسا أرسلت شارل ديغول واتصلت بطهران في الوقت نفسه، وماكرون وصف الانجرار وراء واشنطن بالانتحار الجيوسياسي. بريطانيا فتحت قواعدها الدفاعية لكن ستارمر رفض تغيير الأنظمة من الجو. إسبانيا رفضت بالكامل وسحبت سفيرها. كالاس قالت: ليست حربنا لكن مصالحنا على المحك.
واشنطن تعرف أن استشارة أوروبا ستنتج سبعة وعشرين موقفاً مختلفاً دون أن تغيّر شيئاً. ليس ازدراءً، بل حساب بارد مبني على واقع صنعه الطرفان معاً.

الفاتورة: من يدفع ومن يكسب
إغلاق هرمز في 4 مارس حوّل المسألة من سياسية إلى اقتصادية صرفة. برنت صعد 40%. الغاز الأوروبي 70%. المخزون الاستراتيجي هبط تحت 10%. وكالة الطاقة أفرجت عن 400 مليون برميل في أكبر عملية إفراج في تاريخها. إسبانيا خفضت ضريبة الطاقة. كرواتيا والمجر فرضتا سقوفاً سعرية. كلها ردود طوارئ لا علاقة لها باستراتيجية.
وبينما تتحمل أوروبا هذه الكلفة، تجني موسكو وبكين الأرباح. روسيا استفادت من ارتفاع النفط ومن تخفيف بعض العقوبات. جزء من شحنات السلاح المخصصة لأوكرانيا حُوّل إلى الشرق الأوسط. الصين وسّعت ممراتها البرية البديلة. ووقف إطلاق النار في 8 أبريل صِيغ بين واشنطن وطهران وحدهما. الحليف يخسر والخصوم يكسبون. نتيجة طبيعية لبنية تحالفية قائمة على تبعية أحادية الاتجاه.

هل سيتوقف الاعتماد؟
الإجابة الصريحة: لا. ليس في المدى المنظور. ليس لأن الأوروبيين لا يفهمون المشكلة، بل لأن البنية التي أنتجت هذا الاعتماد صارت أعقد من أن يفككها قرار سياسي واحد.
العائق الأول: الانقسام الداخلي. شرق أوروبا ينظر إلى روسيا كتهديد وجودي ويرفض أي مسافة عن واشنطن. كالاس التي تقود السياسة الخارجية الأوروبية اقترحت ذات مرة تقسيم روسيا إلى عدة دول. هذا تعبير عن رؤية كاملة ترى في أمريكا الضامن الوحيد. غرب القارة يتحدث عن الاستقلالية لكنه لا يملك أدواتها، وثقل شرق أوروبا في مؤسسات الاتحاد يتزايد.
العائق الثاني: الاعتماد مادي لا سياسي فقط. نحو أربعين ألف جندي أمريكي في ألمانيا. 750 قاعدة عسكرية أمريكية حول العالم. منظومات ثاد وباتريوت التي تحمي الأجواء الأوروبية أمريكية الصنع والتشغيل والإمداد. تفكيك هذا يحتاج إعادة بناء كاملة تُقاس بعقود.
العائق الثالث: ألمانيا تريد أن تقود لا أن تدفع فقط. لكن القيادة تتطلب ما لا تملكه: لا ردع نووي، ولا توافق مع فرنسا حول شكل الأمن المستقل، ولا آلية قرار تتجاوز بيروقراطية بروكسل.
ما الذي يمكن أن يتغيّر رغم ذلك
الاعتماد لن ينتهي، لكنه قد يتحوّل. ثمة ثلاثة مؤشرات تستحق المراقبة.
الإنفاق الدفاعي: الاتحاد الأوروبي أطلق برنامج SAFE بمئة وخمسين مليار يورو للقروض الدفاعية. ألمانيا أنشأت صندوقاً بخمسمئة مليار يورو للبنية التحتية والدفاع. أرقام حقيقية، لكن الفجوة بين الإعلان عن إنفاق وتحويله إلى قدرة ميدانية قد تستغرق سنوات.
العلاقة مع روسيا: إذا انتهت حرب أوكرانيا بترتيب ما، فالسؤال سيصبح: هل تعيد أوروبا بناء شراكة طاقوية وأمنية مع موسكو؟ الموارد التي تملكها أمريكا تملكها روسيا أيضاً. لكن هذا المسار يتطلب شجاعة لم تعتد عليها النخب الأوروبية، وسيواجه مقاومة شرسة من شرق القارة.
الرأي العام: 58% من الألمان يعتبرون الحرب غير مبررة. 76% من الإسبان يرفضون أي تدخل. ثلاثون ألف متظاهر خرجوا في لندن. لكن الغضب وحده لا يكفي. الشارع يرفض لكنه لا يبني بديلاً. والحكومات تُدين لكنها لا تملك الأدوات لتحويل إدانتها إلى تأثير.
بالنهاية:
حرب إيران لم تُحدث الأزمة الأوروبية. كشفتها. التفويض الاستراتيجي الذي بدأ كترتيب عملي بعد 1945 تحوّل إلى بنية لا تسمح بالاستشارة ولا بالمشاركة ولا حتى بالاعتراض المؤثر. أوروبا لم تُقصَ من قرار الحرب. أوروبا قضت ثمانين سنة وهي تصنع الظروف التي تجعل إقصائها ممكناً ومتوقعاً.
السؤال الذي يواجه القارة ليس هل تستطيع الاستقلال. القدرة الصناعية والاقتصادية موجودة. السؤال هو هل هناك إرادة لذلك. وبين القدرة والإرادة ثمانون عاماً من الراحة تحت مظلة لم تكن مجانية قط.











طباعة
  • المشاهدات: 6919
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
14-04-2026 03:00 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم