حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,14 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 11313

الفاعوري يكتب: أرى جعجعة ولا أرى طحينا

الفاعوري يكتب: أرى جعجعة ولا أرى طحينا

الفاعوري يكتب: أرى جعجعة ولا أرى طحينا

13-04-2026 09:56 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : ماجد الفاعوري
حين كتب ركس العزيزي عن الأردن لم يكن يكتب عن وطنٍ على الخريطة بل عن معنى يسكن الإنسان قبل المكان وعن هوية تُصاغ بالدم والتجربة لا بالشعارات وحين وقف الملك الحسين بن طلال في أصعب اللحظات قال إن الإنسان أغلى ما نملك فكان يؤسس لعقيدة دولة لا تُقاس بحدودها بل بكرامة شعبها وحين جاء الملك عبد الله الثاني إلى زمن أكثر تعقيدا أدرك أن المعركة لم تعد فقط على الأرض بل على الوعي وعلى الرواية وعلى من يملك حق تعريف الوطن ومعناه
واليوم نقف أمام مشهد يختصره مثل عربي قديم أرى جعجعة ولا أرى طحينا
ضجيج في كل مكان وخطابات تتكاثر وأصوات ترتفع لكن حين تبحث عن الفعل لا تجد وحين تبحث عن مشروع وطني حقيقي لا ترى سوى فراغ يتمدد في عقول الشباب قبل أن يتمدد في الواقع وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة لأن الفراغ لا يبقى فراغا بل تملؤه قوى أخرى وسرديات أخرى ومشاريع لا تشبهنا
لقد كتبت سابقا في أردن بلا قشرة وقلت إن أخطر ما يهدد الدول ليس الفقر بل ضياع المعنى لأن الدولة التي يفقد أبناؤها الإيمان بها تصبح مجرد مساحة مفتوحة لكل مشروع عابر وكل فكرة مستوردة وهذا ما حذر منه كثير من كتاب الأردن ومنهم عدنان الرومان حين أشار إلى أن الأزمات الاقتصادية إذا تُركت دون معالجة وطنية تتحول إلى أدوات تفكيك لا إلى مجرد أزمات عابرة
الأسباب اليوم واضحة لمن يريد أن يرى لا لمن يريد أن يجامل
أولها الإقصاء الصامت للأردنيين عن الفعل العام إقصاء لا يُكتب في القوانين لكنه يُمارس في الواقع حين يُدفع الصوت الوطني الحقيقي إلى الهامش ويُستبدل بخطابات هجينة لا تحمل روح المكان ولا تنتمي إلى تاريخه فتتشكل فجوة بين الدولة وشبابها وهذه الفجوة هي أخطر ما يمكن أن يحدث لأنها تفتح الباب لفقدان الثقة
وثانيها الواقع الاقتصادي الضاغط حيث البطالة والتحديات المعيشية التي تُستغل لتوجيه الغضب بعيدا عن مساره الوطني الصحيح فتصبح معاناة الشباب وقودا لخطابات عابرة للحدود لا ترى في الأردن وطنا بل ساحة وهذا ما يجعل المعركة اليوم معركة وعي قبل أن تكون معركة اقتصاد
وثالثها مشاريع التذويب البطيء للهوية الأردنية مشاريع لا تعلن نفسها بشكل مباشر لكنها تعمل عبر تفكيك الانتماء وإعادة تعريف الدولة بطريقة تُفقد الأردني إحساسه بأنه صاحب الدور الأول في وطنه وهنا نستحضر ما قاله عبد الرؤوف الروابدة حين حذر من أن الدولة التي تتهاون في تعريف نفسها سيقوم الآخرون بتعريفها عنها
ورابعها صمت النخب أو انشغالها في حسابات ضيقة بينما المعركة الحقيقية تُخاض في الشارع وفي عقول الشباب وهنا يبرز دور كتاب الأردن الذين حاولوا مرارا دق ناقوس الخطر ومنهم سميح المعايطة الذي أكد في أكثر من طرح أن الدولة لا تُحمى بالشعارات بل بالفعل وبالعدالة وبالقدرة على إنتاج رواية وطنية قوية
أما الحلول فهي ليست لغزا لكنها تحتاج إلى قرار وإرادة
الدولة تملك مفاتيح الحل لأنها تملك القانون وتملك القرار وتملك القدرة على إعادة التوازن أول هذه الحلول إعادة الاعتبار للهوية الوطنية الأردنية بشكل واضح وصريح دون مواربة هوية جامعة قوية لا تقبل الذوبان ولا التمييع ولا تُترك للتأويل
وثانيها تفعيل القوانين بعدالة لا تعرف الازدواجية لأن العدالة هي الأساس الوحيد الذي يعيد الثقة بين المواطن والدولة ويعيد الإيمان بأن هذا الوطن يستحق الدفاع عنه
وثالثها معالجة الواقع الاقتصادي بعمق لا بترقيع لأن الكرامة لا تنفصل عن العيش الكريم والشباب الذي يشعر بالعدالة والفرص لن يكون وقودا لأي مشروع خارجي
ورابعها تمكين الصوت الأردني الحقيقي وإعادته إلى الواجهة لا عبر الإقصاء بل عبر فتح المجال لمن يحمل هذا الهم الوطني بصدق لأن الدول لا تُبنى بالصمت بل بالحوار وبالمشاركة
وخامسها مواجهة كل مشروع يستهدف الأردن بوضوح لا بالرمز لأن المعارك الرمادية تُخسر دائما بينما الوضوح هو بداية الانتصار
لقد قالوا قديما إن الضجيج لا يصنع طحينا وإن كثرة الكلام لا تبني وطنا واليوم نحن أمام لحظة صدق إما أن نعيد تعريف أنفسنا كأردنيين نعرف من نحن وماذا نريد وإلى أين نسير وإما أن نترك الآخرين يكتبون قصتنا بالنيابة عنا
وهنا أقول بصفتي كاتبا أردنيا كما كتبت في مقالاتي السابقة إن الأردن لم يكن يوما فكرة عابرة ولن يكون وطنا مؤقتا هذا وطن صُنع بالتضحيات ولن يُحمى إلا بالوعي وبالعدالة وبإرادة لا تلين
فإما أن نرى الطحين أو سنبقى ندور في حلقة الجعجعة حتى يسبقنا الزمن ولا ينتظر أحدا
وحين نعود إلى المشهد الراهن نجد تناقضا صارخا لا يمكن تجاهله فقد طُلب من الشباب الأردني ومن النخب الوطنية مرارا أن يشكلوا ما يشبه جيشا إلكترونيا للدفاع عن الأردن وعن صورته وعن روايته في وجه حملات التشويه المنظمة وقد كتب وتحدث في هذا السياق عدد من الإعلاميين والكتاب الأردنيين مطالبين برفع الصوت الوطني وعدم ترك الساحة فارغة أمام الخطابات المعادية
بل إن الناطق الإعلامي بإسم الحكومة نفسه صرح بمعنى واضح أن الدفاع عن الأردن ليس خيارا بل واجب وطني وأنه لا خير فينا إن لم ندافع عن بلدنا في وجه الحملات التي تستهدفه وهو قول يعكس جوهر المسؤولية الوطنية التي يجب أن يتحملها الجميع
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا النداء لم يترافق مع حماية قانونية حقيقية لمن استجاب له فلم تُفعل منظومة قانونية رادعة تحمي الأردني حين يدافع عن وطنه ولم تُسن تشريعات واضحة تلاحق من يتطاول على الأردن وعلى الأردنيين وعلى قيادته ومؤسساته بل تُرك المجال مفتوحا لمن يسب ويقذف ويشتم ليلا ونهارا دون حساب
وهنا تظهر فجوة خطيرة بين الدعوة إلى الفعل وبين حماية الفاعلين إذ كيف نطلب من الشباب أن يكونوا في الخطوط الأمامية للدفاع عن الوطن بينما لا نوفر لهم غطاء قانونيا يحميهم من حملات التشهير والإساءة
لقد تجرأ الأردنيون حين شعروا بالخطر ورفعوا أصواتهم دفاعا عن بلدهم لكنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة سيل من الشتائم والاتهامات ومحاولات كسر الإرادة من قبل أطراف تحمل أفكارا فصائلية ضيقة وأجندات حزبية عابرة للهوية الوطنية تسعى لتحويل الأردن إلى ساحة نزاع لا إلى دولة مستقرة
هذه الأطراف لم تكتفِ بالاختلاف السياسي بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بمحاولة تفكيك المجتمع وبث الكراهية واستهداف الرموز والتشكيك بكل ما هو أردني وهو ما يشكل تهديدا مباشرا للسلم المجتمعي ولتماسك الدولة
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا كيف نحمي الأردن إن لم نحمي الأردنيين الذين يدافعون عنه
إن بناء دولة قوية لا يكتمل فقط بوجود خطاب وطني بل بوجود منظومة متكاملة تحمي هذا الخطاب وتحصنه قانونيا وتمنع الاعتداء عليه لأن الكلمة الوطنية إن لم تجد حماية تتحول إلى صوت معزول سرعان ما يخبو
ومن هنا فإن استعادة هيبة الدولة لا تكون فقط بإطلاق الدعوات بل بترجمتها إلى أفعال عبر قوانين واضحة تجرم الإساءة للأردن وتحمي كرامة الأردنيين وتضع حدا لكل من يحاول تحويل هذا الوطن إلى ساحة صراع أو منصة لتصفية الحسابات
الأردن ليس ساحة مفتوحة وليس مشروعا مؤقتا بل دولة لها تاريخ وهوية وشعب يستحق أن يُحمى وأن يُصان صوته وأن يُحترم دفاعه عن وطنه
وإن لم تُسد هذه الفجوة بين القول والفعل سنبقى ندور في ذات الدائرة نسمع جعجعة أكثر ولا نرى طحينا أبدا











طباعة
  • المشاهدات: 11313
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
13-04-2026 09:56 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم