12-04-2026 05:55 PM
بقلم : باسل الطراونة
في خضمّ مشهدٍ إقليميٍ متشابك، تتزاحم فيه الروايات وتتسارع فيه الأحداث، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للأوطان أن تحافظ على توازنها وهيبتها وسط هذا الضجيج؟ الإجابة لا تكمن في ارتفاع الصوت، بل في قوة الحُجّة، ولا في الانفعال، بل في رصانة الخطاب.
إنّ الإقناع بالحُجّة والبرهان لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية في زمن تتقاطع فيه المصالح وتتشابك فيه السرديات. فالدول التي تمتلك خطاباً متيناً، مبنياً على المنطق والأدلة، هي القادرة على فرض حضورها واحترامها في المحافل الدولية، دون الحاجة إلى صخبٍ أو استعراض.
المشهد الإقليمي الراهن يكشف بوضوح عن فجوةٍ بين من يُحسن إدارة خطابه، ومن ينجرف نحو التوتر والارتجال. فحين يغيب المنطق، تتراجع المصداقية، وحين يُستبدل البرهان بالشعارات، تفقد الرسالة تأثيرها. ومن هنا، فإن الخطاب الأنيق – الذي يليق بالأوطان – ليس مجرد اختيار لغوي، بل هو انعكاس لوعيٍ سياسيٍ عميق، وإدراكٍ دقيقٍ لموازين القوة.
الخطاب الحضاري لا يعني الضعف، بل هو ذروة القوة. فالدولة التي تتحدث بثقة، و تستند إلى معطيات واضحة، وتطرح رؤيتها بلغةٍ هادئةٍ لكنها حازمة، إنما ترسّخ مكانتها وتُحبط محاولات التشويش أو الاستفزاز. وفي المقابل، فإن الخطابات المتشنجة، مهما بدت صاخبة، تفتقر إلى العمق وتفقد قدرتها على التأثير طويل الأمد.
في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لقيمة الكلمة المسؤولة، والخطاب الذي يجمع بين المنطق والرقي. فالإقليم اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من التصعيد اللفظي، بل إلى أصواتٍ عاقلةٍ قادرةٍ على بناء جسور الفهم، وتقديم نماذج تُحتذى في إدارة الاختلاف.
إن شموخ الأوطان لا يُقاس بحدة الخطاب، بل بصلابته الفكرية، ولا بارتفاع النبرة، بل بوضوح الرؤية. ومن يمتلك الحُجّة، يمتلك التأثير، ومن يستند إلى البرهان، يبقى ثابتاً مهما تغيّرت الظروف.
إن المرحلة الراهنة تفرض على الجميع – دولاً ونخباً وإعلاماً – تبنّي خطابٍ متزن، يعكس صورة حضارية تليق بالأوطان، ويُسهم في ترسيخ الاستقرار بدل تأجيج الأزمات. فالحُجّة القوية لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى عقلٍ يُديرها، ولسانٍ يُحسن تقديمها.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
12-04-2026 05:55 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||