حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,11 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5634

م.صلاح طه عبيدات يكتب: رقصة بين الزمن والحضارة بإيقاع عربي

م.صلاح طه عبيدات يكتب: رقصة بين الزمن والحضارة بإيقاع عربي

م.صلاح طه عبيدات يكتب: رقصة بين الزمن والحضارة بإيقاع عربي

11-04-2026 03:36 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : م. صلاح طه عبيدات
ليس الزمن خطّاً مستقيماً نعبره، بل هو مرآةٌ تعكس ما فينا أكثر مما تكشف ما حولنا. والحضارات ليست مجرد تراكمٍ للأحداث، بل نبضٌ حيٌّ يتشكل من وعي الإنسان بذاته، ومن قدرته على تحويل المعنى إلى فعل. وفي هذه المسافة الملتبسة بين الزمن والحضارة، يقف العربي اليوم، لا كفاعلٍ في الرقصة، بل كمن يراقب إيقاعاً كان يوماً صوته، فأصبح غريباً عنه.

ذات يوم، لم يكن العربي يسير في التاريخ، بل كان يصنعه. لم يكن الزمن يمرّ عليه، بل كان يُعاد تشكيله على يديه. حمل رسالة الإسلام، لا بوصفها عقيدةً فحسب، بل كأفقٍ مفتوح للإنسان، يحرره من ضيق المادة إلى سعة المعنى. ومن تلك اللحظة، لم تعد الأرض مجرد جغرافيا، بل أصبحت فكرة؛ ولم يعد الإنسان مجرد كائن، بل مشروع حضارة.

كانت اللغة جسراً، والعقل أداة، والإيمان بوصلة. فانبثقت من هذا التلاقي حضارة لم تكتفِ بأن تُنير ذاتها، بل أضاءت للآخرين دروبهم. هناك، حيث تماهى الفكر مع القيم، لم يكن العربي تابعاً، بل كان معياراً. لم يكن يستهلك العالم، بل يعيد تعريفه.
لكن الرقصة اختلّت.
شيئاً فشيئاً، انفرط الإيقاع، وتبدّلت الأدوار. لم يعد العربي مركز الدائرة، بل أصبح على هامشها. لم يفقد أدوات القوة فحسب، بل فقد المعنى الذي يمنح تلك الأدوات شرعيتها. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين تتحول الأمة من صانعةٍ للزمن إلى مادةٍ فيه.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد تراجعٍ سياسي أو اقتصادي، بل انكسار في البنية العميقة للوعي. انفصالٌ حاد بين ما نملك وما نفعل، بين ما كنّا عليه وما أصبحنا إليه. نحن أمة تختزن طاقةً هائلة، لكنها عاجزة عن تحويلها إلى فعلٍ تاريخي. كأننا نقف على حافة الإمكان، ونخشى القفز.
وفي خضم هذا الارتباك، تتكثف الصراعات من حولنا. حربٌ تلوح في الأفق بين قوى كبرى، تتقاطع فيها المصالح وتتصادم فيها الإرادات، بينما تتسلل أطراف أخرى لتعيد رسم المشهد وفق رؤيتها. وفي هذا المسرح المعقّد، لا يُطلب من العربي أن يكون بطلاً، بل يكفيه—في نظر الآخرين—أن يكون موقعاً.
لكن السؤال الذي لا مهرب منه: هل نحن فعلاً كذلك؟ أم أننا اخترنا، بوعيٍ أو بدونه، أن نكون كذلك؟
الفلسفة هنا لا تُقدّم إجابات جاهزة، لكنها تُحرّض على التفكير. تقول لنا إن الانهيار لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل؛ من لحظة الشك في الذات، ومن القبول بالتبعية، ومن التخلّي عن الفكرة الجامعة التي تمنح الوجود معناه.
لقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تموت حين تُهزم، بل حين تفقد قدرتها على النهوض. وأن أخطر ما يمكن أن تواجهه حضارة، ليس العدو، بل فقدان البوصلة.

فماذا يعني أن نكون عرباً اليوم؟
هل هو انتماءٌ إلى ماضٍ نستحضره كلما ضاق الحاضر؟ أم هو مسؤوليةٌ تجاه مستقبل لم نُحسن بعدُ تخيّله؟

إن الرقصة بين الزمن والحضارة لم تنتهِ، لكنها تنتظر من يعيد ضبط إيقاعها. تنتظر وعياً جديداً، لا يكتفي بالبكاء على الأطلال، بل يقرأها بوصفها دروساً. تنتظر إرادةً لا تنخدع بالشعارات، بل تبني مشروعاً، وتُحسن إدارة القوة، وتفهم العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
في لحظةٍ كهذه، لا يكون الحياد ضعفاً، بل قد يكون حكمة؛ ولا يكون الانخراط تهوراً، بل قد يكون ضرورة—إذا كان نابعا من رؤية. لكن ما لا يمكن قبوله، هو أن نظل خارج المعادلة، نُستَخدم ولا نُؤثّر، نُستنزف ولا نُقرّر.

العرب ليسوا تفصيلاً في التاريخ، بل فصلٌ كامل لم يُكتب بعد.

وما بين زمنٍ كان لنا، وزمنٍ قد يكون، تبقى الرقصة قائمة…
بانتظار أن نستعيد الإيقاع.








طباعة
  • المشاهدات: 5634
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
11-04-2026 03:36 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم