حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,11 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 7056

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الرواية تُضلِّل: والأردن يرد باستقرارٍ راسخ وقوةٍ حكيمة

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الرواية تُضلِّل: والأردن يرد باستقرارٍ راسخ وقوةٍ حكيمة

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الرواية تُضلِّل: والأردن يرد باستقرارٍ راسخ وقوةٍ حكيمة

11-04-2026 09:43 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. زيد إحسان الخوالدة
لا يمكن فهم ما يجري دون النظر إلى ما هو أبعد من ظاهر الأحداث؛ فالتوترات التي تُصنع حول الدول لا تُبنى فقط على الوقائع، بل على الروايات التي تُروَّج، والوعي الذي يستقبلها. واستهداف الأردن، جيشًا وشعبًا وقيادة، ليس حدثًا عابرًا في سياق إقليمي مضطرب، بل هو اختبارٌ لقدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين النقد المسؤول والهدم الممنهج.

الأردن ليس مجرد جغرافيا سياسية، بل هو حالة توازن دقيقة في قلب المشرق. دولةٌ حافظت على استقرارها رغم بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، واستوعبت أزمات متلاحقة دون أن تنكسر بنيتها. وهذا الاستقرار لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج منظومة متكاملة قوامها المؤسسة العسكرية، والشرعية السياسية، والتماسك المجتمعي. وعندما يُستهدف هذا التوازن، فإن المقصود لا يكون طرفًا بعينه، بل المعادلة كلها.

في علم النفس الإكلينيكي، نُدرك أن السلوك لا يُفهم بمعزل عن وظيفته. وكذلك الخطاب العام؛ فليس كل ما يُقال يُراد به التعبير، بل قد يكون له وظيفة أخرى: إثارة الشك، خلق الاحتقان، أو إعادة تشكيل الإدراك الجمعي. وهنا يصبح السؤال الأهم: ما وظيفة هذا الخطاب الذي يتقاطع في توقيته ومضمونه مع لحظات حساسة؟

إن أخطر ما في التضليل أنه لا يعمل في الفراغ، بل يجد بيئته في فجوات الوعي. فالإنسان يُحاسَب بقدر وعيه، لأنه يملك القدرة على التمييز، أما الجاهل فغالبًا ما يتحول – دون أن يدري – إلى أداةٍ في يد من يصنع الرواية. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع من يروّج، بل مع قابلية التلقي غير الناقد.

القوة، في معناها العميق، لا تختزل في السلاح. فالصواريخ والطائرات أدوات، أما الإعداد الحقيقي فهو إعداد الإنسان: وعيًا، وانضباطًا، وأخلاقًا. أمةٌ تمتلك أدوات القوة دون أن تبني إنسانها، تظل هشّة أمام أول اختبار، بينما أمةٌ تبني وعيها قادرة على تحويل موارد محدودة إلى قوة مؤثرة. وليس أقبح من أن تتراكم وسائل القوة في يدٍ لم تنضج قيمها.

الأردن، في موقعه الجيوسياسي، يمثل – بعد العراق – البوابة الشرقية للمشرق العربي. وهذه الحقيقة لا تُفهم من زاوية جغرافية فقط، بل من زاوية الدور؛ فكل محاولة لزعزعة هذا الموقع تنعكس مباشرة على أمن الإقليم بأسره. وما شهدته المنطقة في العقود الماضية يؤكد أن انهيار التوازن في دولةٍ محورية يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.

غير أن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الاستهداف الخارجي وحده، بل الانقسام الداخلي الذي يُغذّيه الخطاب المتشنج. فحين يتحول الاختلاف إلى صراع، والنقد إلى تخوين، يصبح المجتمع بيئة خصبة لكل أشكال الاختراق. ومن هنا، فإن الاعتدال ليس موقفًا رماديًا، بل خيارًا استراتيجيًا يحفظ التماسك ويمنع الانزلاق.

إن تخفيف الاحتقان، وتعظيم قيمة العلم والعمل، وإحياء أخلاق المسؤولية، ليست شعارات إنشائية، بل شروط أساسية لبقاء الدولة قوية من الداخل. فالمجتمعات التي تُحسن إدارة اختلافاتها، وتُعلي من قيمة المعرفة، وتربط الحرية بالمسؤولية، تكون أقل عرضة للتلاعب وأكثر قدرة على الصمود.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأخلاقي قائمًا: كيف يتعامل الفرد مع ما يسمع ويقرأ؟ هل يمرره دون تمحيص، أم يُخضعه لمعيار الوعي؟ هنا تتحدد المسؤولية الفردية التي تتراكم لتشكّل وعيًا جمعيًا. فالتضليل لا ينتصر لأنه قوي، بل لأنه يجد من يمرره دون مقاومة.

إن استقرار الأردن ليس قضية داخلية فحسب، بل هو جزء من معادلة توازن أوسع. وحمايته تبدأ من الإنسان: من وعيه، من أخلاقه، ومن قدرته على التمييز. فالدول تُبنى من الداخل قبل أن تُحمى من الخارج، والوعي، في نهاية المطاف، هو خط الدفاع الأول.











طباعة
  • المشاهدات: 7056
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
11-04-2026 09:43 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم