حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,8 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 8259

م صلاح طه عبيدات يكتب: الإبداع والاختراع والابتكار في ميزان المؤسسات

م صلاح طه عبيدات يكتب: الإبداع والاختراع والابتكار في ميزان المؤسسات

م صلاح طه عبيدات يكتب: الإبداع والاختراع والابتكار في ميزان المؤسسات

08-04-2026 08:22 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : م. صلاح طه عبيدات
لم يعد كافيًا أن تمتلك المؤسسات أفكارًا لامعة، أو حتى نماذج أولية متقدمة؛ فالقيمة الحقيقية تُقاس بقدرتها على تحويل تلك الجهود إلى أثر ملموس في حياة الناس. وهنا يبرز الخلط الشائع—وأحيانًا القاتل—بين ثلاثة مفاهيم محورية: الإبداع، والاختراع، والابتكار.
الإبداع هو القدرة على توليد أفكار جديدة وغير تقليدية. هو تلك اللحظة الذهنية التي تخرج فيها المؤسسة أو الفرد من المألوف إلى الممكن. في المؤسسات الأردنية، نرى الإبداع حاضرًا في مبادرات متعددة: أفكار لأتمتة الخدمات، تحسين تجربة المواطن، أو تطوير أدوات رقابية أكثر كفاءة. لكن هذه الأفكار—على جمالها—تبقى مجرد احتمالات ما لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
أما الاختراع، فهو الخطوة التالية؛ حيث تتحول الفكرة إلى شيء ملموس: منتج، أو نموذج أولي، أو نظام جديد. وقد شهدنا في الأردن والعالم العربي تجارب لشركات ناشئة طورت حلولًا ذكية في الطاقة، الزراعة، والخدمات الرقمية. غير أن هذه النماذج، رغم أهميتها، تظل في دائرة “الإمكان” إذا لم تُستكمل برؤية تطبيقية شاملة.
أما الابتكار فهو الغاية الكبرى؛ هو تحويل الفكرة أو الاختراع إلى قيمة اقتصادية أو اجتماعية حقيقية. أي أن يصل المنتج أو الخدمة إلى المستخدم، ويُحدث فرقًا، ويستمر في التطور. وهنا يكمن التحدي الأكبر: الانتقال من “نملك فكرة” إلى “نحقق أثرًا”.
لنأخذ مثالًا واقعيًا مؤلمًا:
مع بداية كل موسم شتاء في الأردن، تتكرر حوادث مدافئ الغاز التي تحصد أرواح الأبرياء. وفي أحد المواسم الأخيرة، أودت هذه الحوادث بحياة ما يقارب 15 مواطنًا خلال فترة قصيرة. السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: أين كانت المؤسسات الرقابية؟
هل غابت الأفكار؟ بالتأكيد لا.
فالإبداع كان ممكنًا عبر حملات توعوية مبتكرة، أو أنظمة إنذار مبكر، أو تصميمات أكثر أمانًا.
وهل تعذر الاختراع؟ أيضًا لا.
فالتكنولوجيا متاحة لتطوير حساسات ذكية، وأنظمة أمان مدمجة، وتشريعات واضحة.
لكن أين الابتكار؟ هنا مكمن الخلل.
الابتكار كان يقتضي تطبيق معايير أمان صارمة ومُلزمة في السوق، وفرض رقابة استباقية لا ردّ فعلية، وتوظيف التكنولوجيا في تتبع المنتجات الخطرة، وبناء وعي مجتمعي مستدام، لا موسمي. لكن ما حدث—في كثير من الحالات—هو أن الجهود بقيت مجزأة، أو متأخرة، أو شكلية. النتيجة: مأساة تتكرر… وتقارير إنجاز تُكتب بلغة النجاح.
الأكثر إيلامًا ليس الحوادث بحد ذاتها، بل تلك المفارقة الصارخة: في الوقت الذي تتكرر فيه الأخطاء ذاتها، نسمع سنويًا عن “نتائج باهرة” و“تميز في الأداء” داخل بعض المؤسسات. وكأن مؤشرات القياس تُبنى على ما يُكتب في التقارير، لا على ما يحدث في الواقع.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود نماذج مضيئة تثبت أن الابتكار ممكن حين تتكامل الرؤية مع التنفيذ. فقد نجحت بعض البنوك الأردنية في تحويل الخدمات المصرفية الرقمية من مجرد تطبيقات إلى تجربة متكاملة تسهّل حياة المستخدم، من الدفع الإلكتروني إلى إدارة الحسابات بشكل لحظي، وهو ما يعكس انتقالًا حقيقيًا من الاختراع إلى الابتكار.
كما برزت مبادرات في قطاعات الطاقة المتجددة، حيث لم تكتفِ بعض الشركات بطرح أفكار أو مشاريع تجريبية، بل استطاعت تنفيذ حلول عملية لتوليد الطاقة الشمسية على نطاق واسع، مما خفّض الكلفة على المواطنين وخلق قيمة اقتصادية وبيئية ملموسة.
وفي القطاع الحكومي، ظهرت تجارب إيجابية في أتمتة بعض الخدمات، حيث أدى الربط الإلكتروني بين المؤسسات إلى تقليل الوقت والجهد على المواطن، وهو مثال واضح على أن الابتكار لا يتطلب دائمًا اختراعات معقدة، بل حسن توظيف الموارد المتاحة لتحقيق أثر حقيقي.
هذه النماذج، رغم محدوديتها، تؤكد أن الفجوة ليست في القدرات، بل في منهجية العمل.
الإجابة المؤلمة أن معظم المؤسسات لا تعاني من نقص الأفكار، بل من ضعف في إدارة رحلتها. فهي تتوقف عند الإبداع دون آليات تنفيذ، أو تصل إلى الاختراع دون فهم التطبيق الشامل، أو تفشل في الاستمرار حتى تحقق القيمة. وفي العالم العربي عمومًا، يتضاعف هذا التحدي بسبب البيروقراطية، والخوف من التغيير، وضعف ثقافة الوقاية.
ليس المطلوب المزيد من الأفكار، بل بناء منظومة تربط الإبداع بالتنفيذ، وتحويل الرقابة من ردّ فعل إلى استباق، وربط كل مشروع بسلامة الإنسان أولًا، وقياس النجاح بالأثر الحقيقي لا بالشعارات.
الإبداع هو أن تفكر بطريقة مختلفة، والاختراع هو أن تصنع شيئًا جديدًا، أما الابتكار فهو أن تمنع مأساة قبل أن تقع، وأن تنقذ حياة قبل أن تُفقد.
وبين هذه المراحل الثلاث، تقف كثير من مؤسساتنا—لا عند حدود العجز، بل عند حدود الاختيار: إما أن تواصل الاكتفاء بالأفكار والتقارير، أو أن تعبر نحو الابتكار الحقيقي… حيث تُقاس النجاحات بعدد الأرواح التي تم حمايتها، لا بعدد الصفحات التي كُتبت.











طباعة
  • المشاهدات: 8259
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
08-04-2026 08:22 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم