24-03-2026 08:35 AM
بقلم : ولاء العطابي
ما بين محطات الوطن الغالي وذكرياته المتأصلة في ذاكرة العقول وقلوبها لا تنفصل أبدًا بل تتقاطع لتصنع معنى أعمق للحكاية الوطنية؛ وهُنا تلتقي ذكرى معركة الكرمة مع مناسبة يوم الأم في مشهدٍ لا يجمع بين حدثين زمنيين فحسب، بل بين قيمتين تؤسسان لوجود الوطن واستمراره؛ ما بين كرامةٍ حماها رجالٌ بواسل، وأمٍّ أنشأت هؤلاء الرجال.
تُجسّد معركة الكرامة واحدة من أبرز اللحظات المفصلية في تاريخ الأردن، حيث استطاع الجيش العربي الأردني، بقيادة الملك الحسين بن طلال أن يسطر نموذجًا في الصمود والتصدي، مثبتًا أن الإرادة الوطنية قادرة على تغيير المعادلات، وأن الدفاع عن الأرض ليس خيارًا، بل قدرٌ يُصاغ بالعزيمة والإيمان، فلم تكن الكرامة مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى رمزٍ وطني يعكس معنى السيادة والاعتزاز والانتماء والولاء لتراب هذا الوطن الغالي ولكرامة تأبى أن تُمسّ.
غير أن قراءة هذا الحدث لا تكتمل عند حدود الميدان، بل تمتد إلى ما قبله؛ إلى البيوت التي خرج منها الجنود، وإلى القيم التي شكّلت وعيهم قبل أن يحملوا السلاح؛ بالتأكيد هُنا تبرز الأم بوصفها الحاضنة الأولى لمعاني الكرامة، وصانعة الوعي الذي يتحوّل في لحظة الحقيقة إلى موقف.
فالأم الأردنية لم تكن بعيدة عن معادلة الصمود، بل كانت أحد أعمدتها الأساسيّة، فهي التي غرست في نفوس أبنائها معنى الانتماء، وربطت بين حب الوطن والكرامة الشخصية، فكان عطاؤها صامتًا لكنه عميق الأثر؛ فمن حضنها تبدأ ملامح الشخصية الوطنية، وفي كلماتها الأولى تتشكل بذور المسؤولية، ومنها يتعلم الأبناء أن الكرامة ليست شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارس، وعلى عتبات صبرها كُتبت ملامح المجد، لهذا، فهي شريكة الكرامة، وجذر الحكاية، وأول السطر في قصة وطنٍ لا ينحني.
وفي الحاضر، ومع ما يشهده العالم من تحولات متسارعة وتحديات متجددة، تتعاظم الحاجة إلى استحضار هذه المعاني بوصفها ركيزة للاستقرار والبناء، فكما كانت الكرامة عنوانًا للثبات في الماضي، فإنها اليوم تمثّل بوصلةً للحفاظ على الهوية الوطنية في ظل المتغيرات، وفي هذا السياق، يستمر دور الأم في إعادة إنتاج القيم ذاتها، لكن بأدوات جديدة، تتناسب مع طبيعة العصر وتحدياته.
إن الجمع بين ذكرى الكرامة ويوم الأم لا يأتي من باب المصادفة الزمنية، بل من عمق العلاقة التي تربط بين التضحية والبناء؛ بين من دافع عن الوطن في الميدان، ومن أعدّه لهذه المهمة منذ البدايات الأولى؛ فالوطن لا يُحمى بالسلاح وحده، بل يُصان أيضًا بالقيم، ولا يستمر بالانتصارات فقط، بل بالتربية التي تُنتج أجيالًا قادرة على حمل المسؤولية.
وفي هذا الإطار، تبقى الكرامة أعمق من ذكرى، وتبقى الأم أغلى من مناسبة؛ فكلاهما يُشكّلان معًا معادلة الوطن المتكاملة: تاريخٌ من الصمود، وحاضرٌ من الوعي، ومستقبلٌ يُكتب بأيدٍ تربّت على معنى الكرامة مُنذ اللحظة الأولى.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
24-03-2026 08:35 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||