23-03-2026 06:37 PM
بقلم : د. أيمن الخزاعلة
على امتداد الأسبوع قبل الأخير من شهر آذار 2026، وفي ذروة تراكب اللحظة الزمنية مع تعقيداتها الجيوسياسية، واجهت الدولة الأردنية وطأة «اشتباك قدري» مع الجغرافيا؛ حيث تلاقت احتفالات الوجدان الوطني بيوم الكرامة وعيد الأم مع استحقاقات أمنية واقتصادية وجودية، وضعت صانع القرار أمام «تحدٍّ مفصليٍّ» يتطلب رؤية استثنائية. ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تستعد لعيد الفطر، كان المشهد العسكري يتعامل بيقظة مع صفيح من «تهديدات عابرة للحدود»؛ إذ باشر سلاح الجو الملكي عمليات «الكيّ الوقائي» في ريف السويداء والبادية السورية، لاجتثاث البنية التحتية لاقتصاد المخدرات العابر للسيادات.
إلا أن تضحيات الداخل كانت بليغة الأثر؛ وفي هذا السياق، فإن استشهاد نخبة من مرتبات إدارة مكافحة المخدرات في مداهمة بشرق عمّان يدفع نحو تعزيز «تكتيكات المواجهة الحضرية» بأدوات القرن الحادي والعشرين في مواجهة عصابات الكبتاجون والكريستال. وعليه، يغدو من المتطلب الوطني اليوم تجاوز أنماط الاستجابة التقليدية، والانتقال الجذري نحو «الأمن السيبرنتيكي»، والمراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتحليل التنبؤي؛ بما يضمن تقليص الكلفة البشرية، ويعيد تعريف السيادة بوصفها منظومة تقنية متكاملة ترفد التضحية الجسدية وتسمو بها في عصر «الدرونز».
وعلى صعيد النفوذ الجوي، فقد أثبتت قواتنا المسلحة الباسلة كفاءة استثنائية في جعل سماء المملكة حصناً منيعاً أمام تداعيات «صراعات الظل» والحسابات الإقليمية المعقدة؛ إذ إن النجاح الباهر والمشهود لأنظمة دفاعنا الجوي في اعتراض الأجسام الطائرة والمسارات الصاروخية التي حاولت عبور أجوائنا يُعد إنجازاً عظيماً يرسّخ هيبة الدولة، ويؤكد يقظة القوات المرابطة في مواجهة تعقيدات «الجغرافيا السياسية» المتسارعة. وانطلاقاً من هذا الأساس المتين، وبناءً على الرؤية الحازمة بأن الأردن لن يكون ساحة للصراع، فإن المرحلة تتطلب استثمار هذا النجاح للانتقال نحو آفاق أرحب من «الاستقلال الدفاعي المتكامل»؛ فالمخاطر المحدقة التي قد تنجم عن محاولات استهداف منشآت حيوية أو نووية في مناطق متاخمة تحمل في طياتها تحديات بليغة الأثر على «أمننا الإيكولوجي» وسلامة مواردنا، مما يجعل تعزيز قدراتنا ضرورة استراتيجية قصوى. لذا، ومن باب البناء على ما تحقق من ريادة، يبرز الطموح الوطني المشروع في تطوير منظومة "دفاع جوي طبقي"، تُرفد من خلالها منظوماتنا الحالية بتقنيات رصد وتحييد ذكية، بما يعزز قدرتنا على فرض «الحياد الجوي المسلح» بكفاءة تقنية مستقلة تتجاوز حدود الاحتجاج الدبلوماسي، لتظل سماء الأردن —كما كانت دوماً— عصية على الاختراق، ومصانة بإرادة أبنائها وتطور عتادها في مواجهة مختلف التحديات الإقليمية.
دبلوماسياً، جاءت الجولة الملكية العاجلة في الإمارات وقطر والبحرين، في وقت دقيق تزايدت فيه حدة التوترات الإقليمية، لتمثل حراكاً استراتيجياً فاعلاً لـ "ضبط الإيقاع" وتأمين شبكة أمان إقليمية متينة ضمن إطار "دبلوماسية احتواء المخاطر" وإعادة معايرة التوازنات لضمان استقرار المنطقة؛ حيث أثمرت هذه الجهود الكبيرة عن تعزيز التعاون المشترك وفتح آفاق واسعة تجسد عمق الروابط الأخوية. ومع هذا الإنجاز الدبلوماسي الرفيع، يبرز الدور المحوري للحكومة في الارتقاء بنمط توظيف الموارد، والابتعاد عن الاتكالية المالية؛ إذ تتطلب المرحلة الانتقال من الأنماط التقليدية في الإدارة المالية إلى "اجتراح حلول ابتكارية" للاقتصاد الوطني تضمن الاعتماد على الذات، خاصة وأن الارتباط العضوي بين استقرار الخليج والأمن القومي الأردني هو "تلازم مصيري" لا يقبل التأويل، في ظل تحديات إقليمية تفرض احتمالية التأثر بـ "تصحّر التدفقات النقدية" لنحو 500 ألف مغترب أردني، وضغوطات على قطاع السياحة الذي يواجه تحديات حقيقية نتيجة تقلبات المشهد الأمني، مما يجعل الحاجة ملحة للتوجه فوراً نحو "مشاريع طاقة ومياه إنتاجية كبرى" تخلق قيمة مضافة مستدامة بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الفجوات الآنية في الموازنة الجارية. وبالتوازي مع ذلك، تبرز ضرورة تحصين "قانون الضمان الاجتماعي 2026" —الذي يناقشه البرلمان حالياً— من أي انزلاقات تشريعية، ليكون صمام أمان اجتماعي يحمي الشباب من أي أعباء إضافية في زمن التضخم.
وفي الميزان التنفيذي، تبرز الحاجة لتوجيه الجهود الحكومية نحو أولويات أكثر ملامسة للواقع الاستراتيجي؛ فبينما يُشكل "التحول الرقمي" للهوية وتطوير "النقل المدرسي" خطوات تطويرية مقدرة، إلا أن الظرف الراهن يفرض تحديات أمنية واقتصادية استثنائية تشكل ضغطاً مباشراً على الموازنة العامة، مما يستدعي تبني نهج "الطوارئ الاقتصادية" الذي يعيد ترتيب الأولويات وفق منطق الأمن القومي.
كما يتجلى هذا الاستحقاق في ضرورة تعميق الرؤية الاستشرافية لمواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد عبر باب المندب، والتي انعكست ضغوطاً تضخمية على أسعار السلع الأساسية؛ وهو ما يتطلب الانتقال من سياسة "إدارة الأزمات" إلى "بناء المناعة الوطنية الشاملة". ويتحقق ذلك عبر تدشين مخزون استراتيجي فعلي يتجاوز الأطر التقليدية، وتفعيل أدوات ضبط سعري حازمة من خلال شراكة تكاملية بين المؤسستين العسكرية والمدنية، بما يرسخ المفهوم العملي للاستقلال الغذائي والنفطي في مواجهة التقلبات الدولية.
خلاصة القول؛ إن الأردن لم يكن يوماً مجرد "عازل جغرافي" عابر، بل هو قلب الإقليم النابض وعقدة ارتكاز حيوية في شبكة التوازنات الشرق أوسطية المعقدة، ومن هذا المنطلق، فإن التحديات الجسيمة التي تواجهها الدولة —من صواريخ تعبر السماء إلى سموم المخدرات التي تهدد الحدود، ومن ضغوط الجيب إلى استحقاقات الهيكلة الاقتصادية— ليست في حقيقتها إلا تجليات لمعركة سيادية واحدة متعددة الوجوه، ما يضع السلطة التنفيذية أمام استحقاق تاريخي لتجاوز الأطر البيروقراطية التقليدية، والإدراك العميق بأن السيادة في زمن "الفوضى المركبة" لا تُجزّأ؛ فهي منظومة متكاملة من المنعة العسكرية، والصلابة التقنية، والاستقرار المعيشي. إنها المعادلة التي لا تقبل القسمة، فإما أن تكون السيادة كلاً شاملاً يصون الحاضر ويرسم معالم المستقبل، أو لا تكون، ليبقى الأردن كما كان دوماً، عصياً على الانكسار، وقادراً بيقظته وتطوره على تطويع الجغرافيا لخدمة التاريخ.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
23-03-2026 06:37 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||