حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,22 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 8564

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الصحة النفسية: لماذا نخجل من العلاج النفسي!

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الصحة النفسية: لماذا نخجل من العلاج النفسي!

د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الصحة النفسية: لماذا نخجل من العلاج النفسي!

22-03-2026 11:17 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : زيد إحسان الخوالدة
تشير المعطيات العالمية إلى أن أكثر من مليار إنسان يعيشون تحديات نفسية، وأن الاكتئاب يمس ما يزيد عن 280 مليون شخص، مع تسجيل نحو 720 ألف حالة انتحار سنوياً، ما يجعل الصحة النفسية أولوية إنسانية. ويُسجَّل عالميًا أكثر من 50 مليون وفاة سنويًا نتيجة أمراض جسدية، غير أن جزءًا معتبرًا منها يرتبط بعوامل نفسية غير مباشرة، مثل التوتر المزمن، والاكتئاب، وأنماط الحياة غير الصحية، وضعف الالتزام بالعلاج، إلى جانب احتمال عدم تسجيل بعض حالات الانتحار بدقة، ما يعكس تداخل الأبعاد النفسية والطبية، ويجعل الصحة النفسية عاملاً حاسماً في معادلة الحياة والموت.


وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على أن احترام دور الاختصاص النفسي يمثل ركيزة أساسية في بناء الإنسان المتوازن مثل الاختصاص الطبي الجسدي، إلى جانب أبعاد رديفة لا تقل أهمية، في مقدمتها البعد التربوي والديني، لما لهما من دور في إضفاء المعنى على الحياة، وتعزيز الصلابة النفسية، وتحصين الفرد ضد الانهيار.


فالتنشئة المتوازنة، القائمة على الاعتدال والوعي، وبناء الإنسان المعتز بذاته دون تضخم أو هشاشة، تمثل خط الدفاع الأول، كما أن دور المدرسة والجامعة لم يعد تعليمياً فحسب، بل أصبح دوراً وقائياً وإرشادياً، يرسخ مهارات الحياة، ويُعيد الاعتبار لمفهوم التوازن النفسي كجزء من البناء المعرفي.

ومن هنا، فإن مراجعة الأخصائي النفسي يجب أن تُفهم في سياقها الصحيح: ليست حالة ضعف أو خجل، بل مؤشر رقي ووعي ومسؤولية تجاه الذات، تماماً كما يُنظر إلى الفحص الطبي الجسدي كجزء من الثقافة الصحية المتقدمة.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: جودة الحياة النفسية في تراجع، حتى في ظل تحسن بعض المؤشرات المعيشية.

الوصمة: العائق الأخطر

من أبرز التحديات التي تعيق التعامل مع هذه الأزمة، ما يُعرف بـ"الوصمة النفسية"، حيث يشعر كثير من الأفراد بالخجل أو العار من مراجعة الأخصائي النفسي، وكأن طلب المساعدة ضعف، لا وعي ومسؤولية.
وهذا التصور يحتاج إلى مراجعة جذرية؛ فالأخصائي النفسي أو الطبيب النفسي ليس حكماً على الإنسان، بل هو جزء من منظومة علمية متكاملة تهدف إلى استعادة التوازن النفسي، ضمن فهم علمي يأخذ بعين الاعتبار تداخل العوامل البيولوجية والمعرفية والاجتماعية.

من "عيادة المرض" إلى "عيادة السعادة"

ربما آن الأوان لإعادة تعريف الخطاب نفسه.

فبدلاً من حصر هذه المراكز في إطار المرض، يمكن النظر إليها بوصفها "عيادات للسعادة"، لأن جوهر عملها لا يقتصر على علاج الاضطرابات، بل يمتد إلى:

تعزيز الصحة النفسية الإيجابية

الوقاية قبل الوصول إلى الأزمة

تحسين جودة الحياة والانفعال

بناء مهارات التكيف والمرونة


إن الهدف ليس فقط إنقاذ الإنسان من الاضطراب، بل تمكينه من العيش بصورة متوازنة ومنتجة ومطمئنة.
حين يتسلل الاضطراب بصمت


كثير من الاضطرابات النفسية لا تبدأ بشكل صاخب، بل تتسلل تدريجياً:

تردد في اتخاذ القرار، شعور بالضيق دون سبب واضح، توتر في العلاقات القريبة، فقدان الدافعية…
هذه المؤشرات قد تكون بدايات لاكتئاب أو قلق، لكنها غالباً تُهمل أو تُفسر بشكل خاطئ، إلى أن تتفاقم.
في المقابل، فإن التدخل المبكر – عبر استشارة مختص – قد يختصر معاناة طويلة، وقد لا يتطلب الأمر سوى أشهر محدودة من الإرشاد أو العلاج، ليعود الإنسان إلى مسار طبيعي، بل أكثر توازناً مما كان عليه.

مسؤولية جماعية لا فردية

التعامل مع الصحة النفسية لم يعد شأناً فردياً، بل مسؤولية تشاركية تشمل:

المختصين في العلاج والإرشاد النفسي

المؤسسات التعليمية والجامعات


الإعلام ومنصات التوعية

الأسرة بوصفها خط الدفاع الأول

كما أن التحديات لم تعد تقتصر على القلق والاكتئاب، بل تشمل أنماطاً حديثة من الاضطرابات، مثل:

الإدمان السلوكي (الإلكتروني، الشرائي)

سوء استخدام الأدوية والادمان


الضغوط المرتبطة بالأداء والإنجاز

وهي قضايا لها آثار اقتصادية واجتماعية قد تمتد إلى تفكك الأسر أو الانزلاق نحو أزمات مركبة.

نحو ثقافة نفسية جديدة:

إن بناء مجتمع متوازن يبدأ من تغيير الثقافة تجاه الصحة النفسية:

فطلب المساعدة ليس ضعفاً، بل وعي.

والعلاج النفسي ليس ترفاً، بل ضرورة.

فالوقاية النفسية استثمار طويل الأمد.

ولعل الخطوة الأولى هي إعادة صياغة المفهوم:

ليست هذه "عيادات مرض"، بل عيادات للسعادة، للطمأنينة، ولإعادة بناء الإنسان من الداخل.


إن التحديات النفسية التي يواجهها الإنسان المعاصر تستدعي فهماً أعمق ومسؤولية أكبر، فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على حماية الإنسان نفسياً، وتمكينه من مواجهة الحياة دون أن ينهار في صمت.

وما بين الألم والأمل، تبقى الحقيقة الأهم:

أن إنقاذ إنسان واحد من الانهيار النفسي، هو في جوهره إنقاذ لمجتمع بأكمله








طباعة
  • المشاهدات: 8564
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
22-03-2026 11:17 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل سيُقرّ مجلس النواب مشروع قانون الضمان الاجتماعي الجديد؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم