سرايا - لسنوات طويلة، انحصر دور الأم في الدراما العربية في مساحات ضيقة ومكررة، إما المرأة المغلوبة على أمرها التي تكتفي بذرف الدموع بانتظار عودة الابن الضال، أو تلك التي تقف في خلفية المشهد لتوجيه النصائح الجاهزة والمواعظ المباشرة. لكن في سباق دراما رمضان 2026، تبدلت الصورة تماماً. نحن أمام موسم درامي قرر صناعه التمرد على القوالب المحفوظة، ليمنحوا النجمات مساحة حقيقية لتقديم شخصيات من لحم ودم، تحمل بداخلها كل التناقضات الإنسانية من حنان وقسوة، وضعف وجبروت، وأنانية وتضحية.
في هذا التقرير، نرصد كيف تبارت نجمات الدراما العربية في تقديم أداء يعتمد على مدرسة السهل الممتنع، ليعدن تعريف الأمومة على الشاشة، ويقدمن وجوهاً درامية ستبقى طويلاً في ذاكرة المشاهد.
سوسن بدر.. التخلي عن النمطية بذكاء وهدوء
في مقدمة هذه التحولات، تأتي الفنانة القديرة سوسن بدر، التي قررت هذا العام مغادرة مربع الأم الطيبة المضحية تماماً، لتفاجئنا بأدوار مركبة تتسم بالذكاء الحاد والقسوة المبطنة. في مسلسل «الست موناليزا»، لعبت دور الأم المحركة لخيوط الشر والمكائد، دون أن ترفع صوتها أو تبالغ في انفعالاتها؛ بل اعتمدت على نظرات العين الباردة، ولغة جسد هادئة ومحسوبة بدقة، لتعكس شخصية تدير الأزمات وتدمر حياة من حولها، بمن فيهم أبناؤها، بدم بارد.
بينما في مسلسل «سوا سوا»، قدمت ببراعة شديدة شخصية الأم التي تتسبب، بوعي أو بدون وعي، في عقدة نفسية عميقة لابنها. أداء سوسن هنا كان بمثابة تشريح دقيق لدور التربية القاسية والتسلط الأسري، لتؤكد أن خبرتها الطويلة تمنحها القدرة على التلون ووضع بصمة مختلفة ومخيفة في أي دور تلعبه.
سماح أنور.. التفاصيل تصنع الفارق
بعيداً عن المبالغات والانفعالات العالية والصوت المرتفع، سجلت الفنانة سماح أنور عودة درامية استثنائية هذا العام. في مسلسل «عرض وطلب»، جسدت معاناة الأم المريضة التي تبحث بيأس عن طوق نجاة لابنتها. عبقرية الأداء هنا تكمن في تخلي سماح عن كل أدوات الممثلة التجميلية، معتمدة فقط على لغة العيون وملامح الوجه المنهكة، وحركة الجسد البطيئة التي تعكس ثقل المرض والهم معاً.
أما في «حكاية نرجس»، فقد نجحت في خلق توازن درامي رائع بين القوة المطلوبة لحماية العائلة في أحلك الظروف، والضعف الإنساني الطبيعي لامرأة تقف بمفردها في مواجهة العواصف، لتثبت أن الأداء الهادئ، الخالي من أي افتعال، هو الأسرع وصولاً إلى قلب وعقل المشاهد.
فوز الشطي.. التحول النفسي على حافة الهاوية
وعلى خطى التحولات الصادمة، خطفت النجمة الكويتية فوز الشطي الأنظار في مسلسل «وحوش 2»، مقدمة دوراً شديد التعقيد لأم منفصلة. بدأت الشخصية كدرع يحمي أطفالها من قسوة المجتمع، لكن تحت وطأة الضغوط والانهيارات المتتالية، تتحول تدريجياً إلى شخصية مدمرة ومؤذية لهم. هذا التدرج النفسي المخيف، والانتقال من النقيض إلى النقيض، لعبته فوز باحترافية عالية، حيث نقلت للمشاهد التخبط الداخلي للشخصية في كل مشهد، مما أثار انتباه الجمهور والنقاد معاً.
سماء إبراهيم وسحر رامي وميمي جمال.. وجوه الأمومة المشرقة
في مقابل القسوة والتعقيد النفسي، كان للدفء العائلي حضور مميز ينبض بالحياة. الفنانة سماء إبراهيم، التي أصبحت رقماً صعباً وورقة رابحة في الدراما المصرية، قدمت في مسلسل «عين سحرية» شخصية «نوال»، الأم البسيطة التي تتفانى من أجل أبنائها. سماء لا تمثل، بل تطل من الشاشة بعفوية تامة. ولم تكتفِ بهذا النجاح، بل أثبتت في مسلسل «إفراج» حضورها القوي والمؤثر بدور والدة «عباس» (عمرو سعد)، لتؤكد من جديد امتلاكها قدرة عجيبة على الانتقال السلس بين الحالات الشعورية وتجسيد الأمومة بأبعادها المختلفة.
أما البهجة الحقيقية، فجاءت مع إطلالة الفنانة سحر رامي في مسلسل «اتنين غيرنا». لعبت دور الأم العصرية السلسة، التي تحتوي أبناءها بحنان لا يخلو من الحزم، لتقدم نموذجاً للأم الصديقة التي افتقدناها كثيراً على الشاشة.
ولم تقتصر النماذج الإيجابية على الدفء والبهجة فقط، بل امتدت لتشمل «الأم الوتد». هنا تبرز الفنانة القديرة ميمي جمال في مسلسل «على قد الحب». فرغم مشاركاتها المتعددة هذا الموسم، كان دور «رجاء»، والدة كريم (شريف سلامة)، علامة فارقة. أدارت ميمي مزرعتها ومطعمها بصرامة، وفي الوقت ذاته احتوت أسرتها بحنان بالغ، مقدمةً نموذجاً حياً للمرأة العاملة التي توازن ببراعة بين عملها ورعاية أسرتها، لتنال ميمي جمال إشادات واسعة ومستحقة من الجمهور.
هدى حسين، إلهام الفضالة، وإلهام علي.. ثقل درامي في الدراما الخليجية
الدراما الخليجية كانت حاضرة بقوة في هذا السياق عبر أسماء ذات وزن ثقيل. الفنانة هدى حسين واصلت تألقها المعتاد في مسلسل «الغميضة»، وقدمت أداءً رصيناً مليئاً بالتفاصيل النفسية الدقيقة، متقنة فن «التمثيل بالصمت». بينما اختارت إلهام الفضالة في «غلط بنات» تقديم شخصية الأم الحازمة التي تصطدم بصراعات الأجيال بواقعية شديدة ومواجهات مباشرة.
وفي قلب الدراما السعودية، وتحديداً في مسلسل «شارع الأعشى 2»، قدمت النجمة إلهام علي أداءً استثنائياً لشخصية «وضحى». تلك الأم التي نزحت بأبنائها من قسوة الصحراء إلى شارع الأعشى في الرياض أواخر السبعينيات. إلهام لم تكتفِ بسرد الحكاية، بل تقمصت روح المرأة الكادحة، فكانت نموذجاً مبهراً للأم العاملة التي تتصدى لنظرات المجتمع، وتقف كحائط صد لحماية أبنائها ومساعدتهم على الصمود في بيئة جديدة ومختلفة، لتضيف إلهام علي إلى رصيدها شخصية أصيلة لا تُنسى.
نادين خوري.. الوجع الصامت في الدراما السورية
وفي الدراما السورية، برعت الفنانة القديرة نادين خوري في مسلسل «أنا وهي وهيا» في نقل انفعالات الأم المأزومة وسط صراعات عائلية متشابكة. قدمت نادين أداءً يُدرس في كيفية تحويل المعاناة الصامتة والألم الداخلي إلى تعبير حركي وبصري شديد التأثير، لتثبت مجدداً قدرة الممثلة السورية على الإمساك بتلابيب الشخصية بعمق ورصانة بعيداً عن أي استسهال.