09-03-2026 03:30 AM
سرايا - تقع مدينة القصير المصرية على سواحل البحر الأحمر، وتعد واحدة من الوجهات الهادئة التي تحمل تاريخا طويلا يمتد لآلاف السنين، حيث انطلقت من مينائها القديم قوافل الحجاج القادمين من مصر وبلاد المغرب العربي في طريقهم إلى الحجاز، وقبل ذلك بقرون انطلقت منها القوافل التجارية للملكة حتشبسوت نحو بلاد بونت. ورغم أن المدينة لا تحظى بشهرة واسعة كوجهة سياحية، فإنها ما تزال واحدة من أجمل الوجهات الهادئة والخفية المناسبة لقضاء إجازة قصيرة، سواء لعشاق الطبيعة أو المهتمين باستكشاف التاريخ أو محبي الرياضات المائية.
يعود تاريخ مدينة القصير إلى أكثر من خمسة آلاف عام، إذ انطلقت منها في العصر الفرعوني رحلات الملكة حتشبسوت التجارية إلى بلاد بونت، التي تقع في الصومال حاليا. وخلال العصر الروماني، شكّل ميناء القصير شريانا رئيسيا للتجارة، قبل أن يتحول في العصر الإسلامي إلى أحد أهم موانئ الحجاج المتجهين إلى مكة المكرمة، وهو ما أضفى على المدينة طابعا دينيا مميزا. وفي هذا السياق أُقيم في القصير مركز للحجر الصحي المعروف بالكرنتينا (Quarantine)، حيث كان الحجاج يمكثون نحو شهرين للتأكد من خلوهم من الأمراض المعدية قبل متابعة رحلتهم. وتشير بعض الروايات إلى أن تسمية المدينة جاءت بسبب موقعها الجغرافي، إذ تمثل القصير أقصر مسافة تربط بين وادي النيل والبحر الأحمر.
واليوم تبدو القصير أقرب إلى متحف مفتوح يمكن قراءة تاريخها في كل زاوية من زواياه، بدءا من البيوت المشيدة بالطوب اللبن والقرميد والحجر المرجاني والمزينة بالمشربيات الخشبية والأبواب الملونة، وصولا إلى الجداريات التي تحتفي بعودة الحجاج من مكة، حيث يمتزج الخط العربي بالرسوم الشعبية في مشهد يعكس ذاكرة المكان وعمق هويته. وتتوزع آثار المدينة على حقب تاريخية متعددة، يتصدرها معلم قلعة القصير أو ما يعرف بـ"طابية القصير"، التي شُيدت في العصر العثماني خلال ولاية سنان باشا، واستخدمها العثمانيون ثم لاحقا قوات نابليون بونابرت. ومن برجها المرتفع تنفتح إطلالة بانورامية على المدينة بأكملها، فيما لا تزال بقايا المدافع شاهدة على تاريخها العسكري، بينها مدفع يقال إنه يحمل توقيع نابليون، بحسب أحد العاملين في القلعة.
وداخل القلعة يمكن للزائر مشاهدة جداريات توثق رحلة الملكة حتشبسوت إلى بلاد بونت، إلى جانب نماذج للبضائع التي كانت تُجلب منها، في استعادة بصرية لدور المدينة التاريخي في التجارة البحرية. وإلى جانب القلعة تضم القصير معالم دينية وتاريخية بارزة، من بينها مسجد الشيخ الفران، أقدم مساجد المدينة، وكنيسة السيدة مريم العذراء التي شُيدت عام 1920، إضافة إلى أطلال شركة الفوسفات التي شكل وجودها جزءا أساسيا من البنية الاقتصادية للمدينة منذ تأسيسها في نهاية العقد الأول من القرن الماضي وحتى إغلاقها في منتصف تسعينياته.
وتحمل القصير طابعا واضحا للسياحة الدينية، إذ تحتضن عددا من الأضرحة الصوفية، أبرزها ضريح الشيخ الفاسي وأبي الحسن الشاذلي. ويحرص أهل المدينة على إحياء المناسبات الدينية المختلفة، غير أن احتفالات ليلة النصف من شعبان تظل الأبرز، حيث ينظمون مسيرة رمزية تحاكي رحلة المحمل المرتبطة تاريخيا بإرسال كسوة الكعبة المشرفة من مصر إلى الحجاز. وعلى خلاف كثير من مدن البحر الأحمر، لم تتحول القصير إلى مدينة منتجعات مغلقة، إذ لا يزال البحر جزءا أصيلا من الحياة اليومية لسكانها، وتُشكل المراكب الصغيرة الراسية على رصيف الميناء مشهدا مألوفا يعكس العلاقة الوثيقة بين المدينة وبحرها. وفي هذا السياق تبدو القصير نموذجا مثاليا لما يعرف بالسياحة البطيئة، حيث يمكن للزائر التنقل بين مزاراتها القليلة على مهل والتواصل مع أهلها المعروفين بترحابهم وودهم، بعيدا عن صخب الوجهات السياحية التقليدية.
ولا تزال شواطئ القصير متاحة بالمجان للجميع، حيث يمكن للزائر قضاء الوقت والاستمتاع بالجلوس والاسترخاء أو السباحة. ونظرا لابتعادها نسبيا عن الضغط السياحي، فإن الشعاب المرجانية لا تزال قريبة من بكارتها الأصلية، ما يجعلها بقعة مثالية لمحبي الغوص أو السنوركلينغ (Snorkeling). وتعد أبرز مواقع الغطس في المدينة منطقتي أبو السواطير والزريب الكبير، حيث يمكن مشاهدة الشعاب والكهوف المرجانية والحياة البحرية الساحرة. كما تتميز الشعاب المرجانية بقربها من الشاطئ، إذ لا تتطلب رحلات بحرية طويلة للوصول إليها، ويمكن مشاهدة الدلافين والسلاحف البحرية في مواسم معينة.
وتضم القصير مجموعة من المنتجعات الفخمة على أطرافها لمحبي الهدوء والرفاهية، إلى جانب مجموعة من الفنادق الصغيرة داخل المدينة. ويعد فندق القصير من أشهر أماكن الإقامة فيها، إذ يوفر تجربة السكن في مبنى بيت قديم يعود تاريخ بنائه إلى عام 1910، وقد تم ترميمه وافتتح كفندق في نهاية تسعينيات القرن الماضي. ولا تكتمل زيارة المدينة من دون تذوق الأسماك الطازجة التي تشتهر بها، ويأتي مطعم "الفردوس" في مقدمة الخيارات لما يتمتع به من إطلالة مباشرة على البحر، إلى جانب مطعم "ماديرا". أما الباحثون عن تجربة بحرية بميزانية أقل فيمكنهم زيارة مطاعم محلية صغيرة مثل "القبطان"، إضافة إلى كافيتريات مطلة على البحر من بينها "العجيمي". وإلى جانب المأكولات البحرية تنتشر مطاعم محلية تقدم بدائل متنوعة من بينها الكريب والبيتزا.
ويمكن الوصول إلى مدينة القصير جوا عبر مطار مرسى علم الدولي الذي يبعد نحو 70 كيلومترا عنها، أو عبر مطار الغردقة على مسافة تقارب 140 كيلومترا، كما تتوفر رحلات الحافلات من القاهرة إلى القصير بشكل منتظم. وداخل المدينة تعد سيارات التاكسي وسيلة سهلة ومناسبة للتنقل بين أحيائها المختلفة. ويعد أفضل وقت لزيارة القصير الفترة الممتدة من أكتوبر إلى أبريل، حيث يكون الطقس أكثر اعتدالا وملائما للاستمتاع بالأنشطة البحرية واستكشاف المدينة. وفي عالم يزداد ازدحاما وتسارعا، تظل القصير مدينة مختلفة بإيقاعها الهادئ، وهو ما يجعلها وجهة تستحق الاكتشاف.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
09-03-2026 03:30 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||