حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,2 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6357

د. هيثم علي حجازي يكتب: أكاديمية وطنية للإدارة في الأردن: فرصة للإصلاح أم إعادة إنتاج؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: أكاديمية وطنية للإدارة في الأردن: فرصة للإصلاح أم إعادة إنتاج؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: أكاديمية وطنية للإدارة في الأردن: فرصة للإصلاح أم إعادة إنتاج؟

02-03-2026 10:22 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
يتجه التفكير في الأردن إلى إنشاء أكاديمية حكومية للإدارة على غرار المدرسة الفرنسية للإدارة ENA التي شكّلت لعقود مصنعا لقيادات الدولة في فرنسا قبل أن يحلّ مكانها عام 2022 المعهد الوطني للخدمة العامة، وكان ذلك ضمن مجموعة إصلاحات هدفت إلى توسيع قاعدة أعداد الملتحقين بمؤسسات التدريب والتطوير، بدلا من الاقتصار على نخبة معينة. والتوجه في الأردن نحو إنشاء مثل هذه الأكاديمية يطرح أسئلة جوهرية مثل: ما الذي يمكن أن تضيفه هذه الأكاديمية؟ وما مخاطرها؟ وما مصير معهد الإدارة العامة القائم؟ وغير ذلك من العديد من الأسئلة. لكن السؤال الأكثر إلحاحا هو: هل نحتاج فعلا إلى أكاديمية وطنية للإدارة؟
من المتفق عليه أن الإدارة العامة الحديثة لم تعد مجرد تنفيذ تعليمات، بل أصبحت عِلما قائما على تحليل السياسات، وقياس الأثر، وإدارة الموارد بكفاءة، وقيادة التغيير والتطوير المؤسسي. ومن هنا، فإن إنشاء أكاديمية وطنية متخصصة في الأردن يمكن أن يحقق عدة مكاسب استراتيجية مثل: (1) صناعة قيادات مؤهلة علميا ومهنيا، إذ أن الأكاديمية يمكن أن تؤسس لمسار مهني واضح للوظائف القيادية، بحيث يصبح الوصول إلى المواقع العليا قائما على التأهيل التنافسي لا على الأقدمية أو الاعتبارات غير المهنية، الأمر الذي يعزز مبدأ الجدارة، ويمنح الإدارة العامة طابعا احترافيا (2) توحيد الثقافة المؤسسية للدولة، إذ أن أحد التحديات التي يواجهها القطاع العام هو التباين في أساليب الإدارة بين المؤسسات. وبالتالي، فإن وجود أكاديمية وطنية للإدارة سيساعد على ترسيخ قيم مشتركة في مؤسسات القطاع العام مثل: النزاهة، والمساءلة، والتفكير الاستراتيجي، وخدمة المواطن (3) دعم مشروع تحديث القطاع العام. فمن المعروف أنه لا يمكن لأي خطة إصلاح إداري أن تنجح دون وجود كوادر قادرة على تنفيذها، مما يعني أن وجود مثل هذه الأكاديمية يمكن أن يشكِّل الذراع التنفيذي لمشروع التحديث (4) استقطاب الكفاءات الشابة. فإذا حُكِمَتْ الأكاديمية بمعايير قبول تنافسية صارمة، تصبح الخدمة العامة خيارا جاذبا لأوائل الجامعات والكفاءات الأردنية في الداخل والخارج.
ومع ذلك، فإن هناك عدة محاذير وتحديات يجب النظر إليها وأخذها بعين الاعتبار بناء على تجارب عدد من الدول التي أوجدت مثل هذه الأكاديميات، بما فيها التجربة الفرنسية. ومن هذه المحاذير: (1) خطر النخبوية المغلقة. فقد تعرضت المدرسة الفرنسية للإدارة لانتقادات حادة بسبب احتكار خريجيها للمناصب الإدارية العليا في الدولة الفرنسية، الأمر الذي حرم الكثيرين ممن لم تسعفهم الظروف للالتحاق بتلك المدرسة من الوصول الى المناصب العليا، مما أدى إلى خلق فجوة داخل الجهاز الحكومي بين “خريجي المدرسة” وغيرهم (2) ازدواجية المؤسسات. فوجود معهد الإدارة العامة يفرض سؤالا عمليا: هل ستكرر وتمارس الأكاديمية أدواره؟ أم ستنشأ حالة تنافس مؤسسي تربك منظومة التدريب الحكومي؟ (3) التكلفة المالية والبشرية، إذ أن إنشاء مؤسسة أكاديمية رفيعة المستوى يتطلب استثمارات كبيرة في الكادر الأكاديمي، والمناهج، والبنية التحتية، والشراكات الدولية (4) خطر التحول إلى مؤسسة شكلية. فإذا لم ترتبط الأكاديمية بنظام التعيينات والترقيات في الجهاز الحكومي فعليا، فإنها قد تصبح مجرد عنوان جديد ضمن منظومة تقليدية.
ماذا عن معهد الإدارة العامة؟
كان معهد الإدارة العامة يقوم بدور مهم في تدريب موظفي القطاع العام وتأهيلهم أثناء الخدمة، وقد بدأ هذا الدور بالتراجع. فإذا تم إنشاء الأكاديمية يصبح أمام صانع القرار ثلاثة خيارات تتعلق بمصير المعهد: (1) الإلغاء الكامل للمعهد لتحل الأكاديمية مكانه، واستخدام مرفقاته (2) الإبقاء عليه منفصلا مما قد يخلق ازدواجية وتضارب صلاحيات (3) الدمج الذكي، وهو الخيار الأكثر توازنا، بحيث تصبح الأكاديمية مظلة وطنية تضم مدرسة لإعداد القيادات العليا (قبل وأثناء الخدمة) ومركزا للتدريب المستمر (هو المعهد بعد إعادة هيكلته) مع الاستفادة من مرافقه. وبهذا الشكل، يتم الحفاظ على الخبرة القائمة، مع تطويرها ضمن رؤيا موحدة.
بمن ترتبط الاكاديمية؟
السؤال المهم هو حول موقع الأكاديمية داخل هيكل الدولة: لمن تتبع؟ ومن يمنحها الشرعية السياسية والإدارية؟ في الحالة الأردنية، من المهم أن ترتبط الأكاديمية مباشرة برئيس الوزراء، وألا تتبع لوزير تطوير القطاع العام أو لأي وزارة تنفيذية أخرى. فوزير تطوير القطاع العام هو طرف في عملية الإصلاح الإداري، وقد يكون صاحب رؤيا أو توجه سياسي معين، خاصة وأننا نسير باتجاه الحكومات البرلمانية – الحزبية، الأمر الذي قد يؤدي إلى الذهاب بالأكاديمية نحو غير ما وجدت لأجله. وهذا الطرح ليس شكليا، بل يرتبط بطبيعة الدور الذي يُراد للأكاديمية أن تؤديه. فالأكاديمية يفترض أن تكون (1) مؤسسة مهنية (2) بعيدة عن التغيير الحكومي السريع (3) مستقلة عن الحسابات السياسية قصيرة الأجل. وبالتالي، فإن ارتباطها برئيس الوزراء يمنحها (1) صفة وطنية عليا لا تنافسها فيها أي وزارة (2) قدرة على العمل مع جميع الوزارات على قدم المساواة (3) استقلالا عن التجاذبات بين المؤسسات (4) تعزيز مكانتها وهيبتها، ورفع من قيمة الالتحاق بها (5) منح خريجيها شرعية مؤسسية واضحة.
إن ارتباط الأكاديمية برئيس الوزراء مباشرة، يجعلها أقرب إلى مؤسسة سيادية ذات طابع استراتيجي، لا جهازا تنفيذيا ضمن وزارة محددة. وفي كثير من الدول، يكون إعداد القيادات العليا مرتبطا بمركز صناعة القرار. فإذا أُريد للأكاديمية الأردنية أن تكون بوابة للوظائف القيادية، فإن ربطها برئيس الوزراء يحقق (1) تكاملا بين التأهيل والتعيين (2) وضوحا في مسار الترقي الوظيفي (3) تعزيزا لمبدأ الجدارة في اختيار الأمناء العامين والمديرين العامين.
نموذج حوكمة مقترح
لكي تنجح الأكاديمية، وإذا أريد لها أن تكون مؤسسة دولة، لا تتأثر بتغيير الوزراء أو إعادة هيكلة الوزارات، فلا بد من وجود أنموذج حوكمة خاص بها يقوم على (1) ارتباط إداري مباشر برئيس الوزراء (2) وجود مجلس أمناء مستقل يضم أكاديميين وخبراء في الإدارة العامة، وقيادات تنفيذية لأنه إذا أُديرت الأكاديمية بعقلية أكاديمية بحتة قد تبتعد عن الواقع التنفيذي، وإذا خضعت بالكامل للبيروقراطية فقد تفقد استقلالها (3) استقلال مالي نسبي يضمن مرونة الحركة (4) ربط برامجها بمسار التعيين للوظائف القيادية العليا.
إن إنشاء أكاديمية وطنية للإدارة خطوة إصلاحية كبيرة، وإذا تحقق ذلك، فقد تكون الأكاديمية حجر الزاوية في بناء إدارة عامة أردنية حديثة، كفؤة، وقادرة على قيادة التنمية في العقود المقبلة؛ وموقعها في الهيكل الحكومي سيحدد مصيرها. ويجب الانتباه إلى أنه إذا أُريد لها أن تكون مصنع قيادات الدولة، وركيزة لتحديث الإدارة العامة، فيجب أن تكون على تماس مباشر مع مركز القرار، أي مع رئيس الوزراء. فالقضية ليست قضية إدارية فقط، بل قضية سياسية وإستراتيجية: هل نريد أكاديمية تابعة … أم مؤسسة وطنية تقود التحول الإداري في الدولة الأردنية؟.
.











طباعة
  • المشاهدات: 6357
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
02-03-2026 10:22 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تحقق الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران أهدافها؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم