حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,22 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 11126

أمل خضر تكتب: الضمان الاجتماعي الأردني بين منطق الاستدامة وقلق الشارع

أمل خضر تكتب: الضمان الاجتماعي الأردني بين منطق الاستدامة وقلق الشارع

22-02-2026 02:52 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : أمل خضر
لم يكن الجدل الذي رافق قانون الضمان الاجتماعي الأردني حدثًا عابرًا في المشهد التشريعي، بل كشف عن حساسية عميقة تتعلق بعلاقة المواطن بمستقبله الاقتصادي. فالضمان في الوعي الأردني ليس مجرد اقتطاع شهري، بل هو “راتب العمر” وملاذ الطمأنينة بعد سنوات العمل. لذلك، حين تم إدخال تعديلات تمس التقاعد المبكر، والاشتراكات، وآليات الاحتساب، بدا الأمر لكثيرين كأنه مساس مباشر بأمنهم الشخصي.
جاءت التعديلات محكومة بهاجس الاستدامة. فالتوسع في التقاعد المبكر، وارتفاع متوسط الأعمار، وتزايد أعداد المتقاعدين، كلها عوامل تفرض معادلة دقيقة كيف نحمي الصندوق من العجز دون أن نُثقل كاهل المشتركين؟ تنظيم التقاعد المبكر وتقليص بعض الامتيازات لم يكن إجراءً شعبويًا، بل محاولة لضبط التوازن الاكتواري وضمان استمرار الصندوق للأجيال القادمة. فاستنزاف الموارد اليوم يعني تحميل الأبناء كلفة أخطاء لم يشاركوا في صنعها.
إلا أن المنطق المالي الصرف يصطدم أحيانًا بواقع معيشي ضاغط. فالمواطن يقارن بين اقتطاع شهري ملموس يزداد اليوم، وبين منفعة تقاعدية مؤجلة بعد سنوات طويلة. في ظل تضخم متصاعد، وبطالة مرتفعة، وثبات نسبي في الدخول، يصبح أي اقتطاع إضافي عبئًا نفسيًا قبل أن يكون عبئًا رقميًا. وهنا يتشكل جوهر الرفض ليس رفضًا لفكرة الضمان، بل رفضًا للشعور بأن الكلفة فورية والعائد غير مضمون.
التقاعد المبكر تحديدًا شكّل نقطة الاشتباك الأساسية. فشريحة واسعة من العاملين، خاصة في المهن المرهقة، كانت ترى فيه حقًا مكتسبًا وخطة خروج آمنة من سوق عمل لا يرحم. لكن من منظور مالي، فإن خروج المشترك مبكرًا يقلل سنوات الاشتراك ويزيد سنوات الصرف، ما يضغط على الملاءة المالية للصندوق. بين هذين المنظورين، وجد القانون نفسه في مواجهة حساسة بين حماية الحاضر وضمان المستقبل.
لا يمكن فصل الجدل عن مسألة الثقة. فجزء من الاعتراضات لم يكن موجهًا للنصوص فقط، بل لمدى الاطمئنان إلى إدارة أموال الضمان واستثماراته. عندما يشعر المواطن بأن الشفافية غير كافية أو أن التواصل ضعيف، يصبح أي تعديل محل شك، حتى لو كان مبررًا اقتصاديًا. الإصلاح المالي يحتاج دائمًا إلى خطاب صريح بلغة الأرقام، وإلى إشراك المجتمع في فهم المخاطر الحقيقية التي يسعى التشريع لمعالجتها.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل جوانب القوة في القانون. فهو يعزز مبدأ العدالة بين الأجيال، ويعمل على حماية الصندوق من اختلالات مستقبلية، ويوسع بعض مظلات التأمين الاجتماعي مثل التعطل عن العمل وتأمين الأمومة، كما يرسخ موقع مؤسسة الضمان كأحد أكبر المستثمرين في الاقتصاد الوطني، ما ينعكس على النمو وفرص العمل. هذه العناصر تمثل بعدًا استراتيجيًا يتجاوز البعد الفردي إلى المصلحة الوطنية الأشمل.
أن قانون الضمان الاجتماعي الأردني يقف عند تقاطع حساس بين منطق الدولة ومنطق المواطن. الدولة تنظر إلى الاستدامة طويلة الأمد، والمواطن ينظر إلى ضغط الحاضر ومخاوف المستقبل. والنجاح الحقيقي لأي تشريع في هذا المجال لا يقاس فقط بسلامته الاكتوارية، بل بقدرته على كسب ثقة الناس وإشعارهم بأنهم شركاء في القرار لا متلقين له.
فالضمان، في جوهره، عقد اجتماعي قبل أن يكون قانونًا. وإذا كان الإصلاح ضرورة اقتصادية، فإن العدالة والشفافية والحوار ضرورة وطنية موازية لها.











طباعة
  • المشاهدات: 11126
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
22-02-2026 02:52 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم