حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,22 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6671

الشباطات يكتب: بين أهلية القرار وأزمة الثقة العامة .. الضمان الاجتماعي نموذجاً لا استثناءً

الشباطات يكتب: بين أهلية القرار وأزمة الثقة العامة .. الضمان الاجتماعي نموذجاً لا استثناءً

 الشباطات يكتب: بين أهلية القرار وأزمة الثقة العامة ..  الضمان الاجتماعي نموذجاً لا استثناءً

22-02-2026 08:05 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د.م. أمجد عودة الشباطات
ليست أزمة الأردن في ندرة القوانين أو وفرة الخطط، بل في بنية اتخاذ القرار ذاتها. فحين تُسند المسؤوليات العامة إلى غير أهلها، لا يعود الخلل حادثة عرضية، بل يتحول إلى نمط متكرر ينتج أثراً تراكمياً يمس الثقة العامة والعدالة بين الأجيال واستدامة الموارد.
إن أخطر ما يواجه أي دولة ليس الخطأ بحد ذاته، فالخطأ جزء من التجربة الإنسانية والسياسات العامة. الخطر الحقيقي هو غياب معيار الأهلية في شَغل المواقع القيادية، وتحول المنصب إلى مُنشئ للشرعية المعرفية لا مُتطلبٍ لها. ففي سياقنا المحلي، قد يصل شخص إلى موقع وزاري أو نيابي دون خلفية تخصصية راسخة في الملف الذي يتولاه، ثم يُقدَّم في اليوم التالي بوصفه مرجعاً علمياً ومحللاً استراتيجياً، وتُبنى حوله سردية خبيرٍ لا تُسنده خبرة سابقة ولا إنتاج معرفي ولا ممارسة مهنية متراكمة. هذا المشهد ليس مجرد مفارقة ساخرة، بل تجسيد لاختلال المعايير المؤسسية في إدارة الشأن العام.

إن قيادة التنمية في القرن الحادي والعشرين، وفي عصر الذكاء الاصطناعي واقتصاد البيانات، لا يمكن أن تُدار بعقلية الارتجال أو بشرعية المنصب وحده. التنمية منظومة معقدة تتطلب فهماً عميقاً للاقتصاد الكلي، وللسلوك المؤسسي، وللديناميات الديموغرافية، ولتفاعل السياسات العامة مع سوق العمل والاستثمار. حين يتصدر المشهد غير المتخصصين، بل ويصل الأمر أحياناً إلى تولي مسؤوليات عليا دون تأهيل كافٍ، فإن المخاطرة لا تقتصر على السمعة المؤسسية، بل تمتد إلى الاستقرار المالي والاجتماعي للدولة.

ويكشف الواقع العملي أن كثيراً من التحذيرات المهنية التي يطلقها المختصون لا تكون انطباعات عابرة، بل قراءات مبكرة لمسارات قابلة للقياس. غير أن هذه التحذيرات كثيراً ما تُهمَل في لحظتها، ثم تتأكد صحتها مع مرور الوقت، ليُعاد اكتشاف الخلل بعد سنوات من تراكم الأثر، وتتحول المعالجة إلى تبرير متأخر بدل أن تكون تصحيحاً استباقياً مبنياً على الإنذار المبكر.

في هذا السياق، يبرز مشروع قانون الضمان الاجتماعي مثالاً دالاً. فالضمان ليس ملفاً تقنياً محدود الأثر، بل عقداً اجتماعياً مالياً يربط أجيالاً متعاقبة، ويُدار عبر توازنات دقيقة بين الاشتراكات والمنافع والاستثمار والعائد الزمني. الحديث الرسمي يشير إلى دراسات اكتوارية ومبررات تتعلق بالاستدامة المالية وضبط التقاعد المبكر. غير أن السؤال الجوهري لا يقف عند وجود الدراسة، بل عند جودة فرضياتها، وآليات الحوكمة المصاحبة لها، وكفاءة من اتخذوا القرارات التراكمية التي أوصلت النظام إلى لحظة الحاجة للتعديل.

إن بعض الاختلالات التي شهدها النظام، سواء في امتيازات مرتفعة أو في معادلات منفعة غير متوازنة، لم تكن تتطلب تعقيداً علمياً بالغاً لاكتشاف آثارها المستقبلية. في حالات عديدة، يكفي الحد الأدنى من التحليل الكمي لفهم الاتجاه العام للصناديق حين تتزايد الالتزامات بوتيرة تفوق العوائد طويلة الأمد. هنا ينتقل النقاش من التقنية إلى المسؤولية المؤسسية: من صاغ تلك المعادلات؟ من أقرّها؟ من راقب أثرها؟ ولماذا لم تُصحح مبكراً؟

إن أول خطوة في بناء الثقة المجتمعية ليست إصدار تعديل قانوني جديد، بل إرساء مبدأ مساءلة مؤسسية واضحة المعالم. فالمسؤولية الإدارية لا تنتفي عند ثبوت التقصير، سواء كان ناشئاً عن سوء تقدير أو ضعف كفاءة. من يتصدى لمسؤولية عامة يفترض أن يمتلك الحد الأدنى من الأهلية المهنية، لأن قبول المنصب فعل إرادي يترتب عليه التزام قانوني وأخلاقي. والسؤال المشروع في هذا السياق هو: هل توفرت شروط الكفاءة قبل إسناد المسؤولية؟

المساءلة هنا لا تعني تصفية حسابات سياسية، بل مراجعة مهنية معلنة للقرارات الجوهرية في الملفات الحساسة، وعلى رأسها الضمان الاجتماعي. مراجعة تدرس الفرضيات الاكتوارية، وسياسات الاستثمار، وبنية المنافع، وتحدد مكامن الخلل في الحوكمة أو الرقابة أو إدارة المخاطر.

المشكلة في جوهرها ليست فردية، بل ثقافة مؤسسية قد تميل أحياناً إلى تضخيم الخطاب على حساب التحليل، وإلى مكافأة الحضور الإعلامي أكثر من الكفاءة الفنية. غير أن الأنظمة المالية طويلة الأمد، مثل أنظمة التقاعد، لا تُدار بالبلاغة، بل بالانضباط المهني والدقة الحسابية.

إذا أردنا تصحيح المسار، فالمعادلة واضحة:
أهلية قبل منصب، شفافية قبل قرار، ومساءلة قبل تبرير.

من دون هذه الركائز، ستتكرر دورة القرار المتسرع، والاعتراض المهني المُساء فهمه، ثم الاعتراف المتأخر بعد تراكم الكلفة. أما الاستقرار الحقيقي، فلا يُبنى إلا على معايير صارمة في اختيار القيادات، ونظام حوكمة يربط السلطة بالمسؤولية.

قضية الضمان الاجتماعي ليست مجرد أرقام أو نسب اكتوارية، بل اختبار لمدى قدرتنا على ترسيخ مبدأ الكفاءة في إدارة الشأن العام. فإذا غابت الأهلية، تآكلت الثقة. وإذا غابت المساءلة، تكررت الأخطاء. أما حين تجتمع الكفاءة مع الشفافية والمحاسبة، يصبح الإصلاح ممكناً ومستداماً.











طباعة
  • المشاهدات: 6671
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
22-02-2026 08:05 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم