حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,21 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5145

السرحان يكتب: حين تضيع الأولويات… وتزدهر الخُطابات

السرحان يكتب: حين تضيع الأولويات… وتزدهر الخُطابات

 السرحان يكتب: حين تضيع الأولويات… وتزدهر الخُطابات

21-02-2026 10:34 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. حسين سالم السرحان
في كل مرحلة ضاغطة من تاريخ الدول، يُفترض أن تنحاز النخب إلى نبض الناس لا إلى صدى ترف أفكارها.
في الأردن اليوم، وبينما يرزح المواطن تحت أعباء اقتصادية واجتماعية متراكمة، تتزاحم بعض النخب السياسية والثقافية في سباق محموم لطرح قضايا كبرى من قبيل السردية والهوية وإعادة تعريف الذات الوطنية، وكأن المجتمع يقف على حافة فراغ فكري لا على حافة ضيق معيشي خانق.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا الآن؟

ليست قضايا الهوية والسردية ترفاً في ذاتها، ولا هي بلا قيمة في سياق بناء الدول، لكن تحويلها إلى أولوية خطابية في لحظة يفتش فيها المواطن عن فرصة عمل لابنه، أو مقعد جامعي آمن لابنته، أو سرير علاج لا يحتاج إلى واسطة، يجعلها أقرب إلى ترف فكري منها إلى ضرورة وطنية.
ما جدوى النقاشات المدوية حول تعريف الذات الوطنية، فيما الذات الاجتماعية منهكة؟ وما معنى الانشغال بإعادة كتابة الحكاية الكبرى، فيما الحكايات اليومية للناس مليئة بالقلق والعجز والانتظار والحيف واختلالات العدالة؟

الخطاب النخبوي، حين ينفصل عن الواقع، يتحول إلى دائرة مغلقة؛ يتغذى من ذاته ويعيد إنتاج أسئلته الخاصة، غير آبه بترتيب الأولويات في الشارع. وحين تُطرح القضايا الكبرى بلا تمهيد اقتصادي واجتماعي، فإنها تبدو وكأنها محاولة للقفز فوق الأساس الصلب الذي لا غنى عنه: كرامة العيش، وعدالة الفرص، وسيادة القانون على الجميع دون استثناء. فلا يمكن بناء وعي وطني متماسك تجاه الهوية وسردياتها فوق أرضية يشعر فيها الناس بأن مستقبل أبنائهم مرهون بالصدفة أو بالمحسوبية.

لماذا الآن؟ لماذا في لحظة تتعاظم فيها تحديات العمل والتعليم والصحة، ويشعر كثيرون بأنهم عالقون في سباق لا يملكون أدواته؟ أليس الأجدر أن تتجه الطاقات الفكرية والسياسية نحو معالجة الاختلالات التي تمس حياة الناس مباشرة؟ أن يكون النقاش حول كيفية خلق فرص العمل قبل إعادة تعريف المفاهيم؟ وأن تُستعاد الثقة بالمؤسسات عبر العدالة والشفافية قبل الخوض في تجريدات نظرية لا تُطعم خبزاً ولا تداوي ألماً؟

النخبة التي لا تسمع أنين الواقع تخاطر بفقدان شرعيتها المعنوية. فالفكر الحقيقي ليس ما يعلو فوق المجتمع، بل ما ينحاز إلى أولوياته، ويعيد ترتيب جدول أعماله بما ينسجم مع حاجاته الملحّة.

وبعد أن تستقر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويطمئن الأردني إلى تعليم أولاده، وفرص عملهم، وعلاجهم دون حاجة إلى تدخل متنفذين، يمكن للنقاشات الكبرى أن تجد أرضاً خصبة ووعياً مستعداً.

أما اليوم، فالمطلوب ليس المزيد من الضجيج، بل شجاعة إعادة ترتيب الأولويات؛ وليس الهروب إلى الأسئلة المجرّدة، بل مواجهة الأسئلة الصعبة التي يطرحها الواقع كل صباح. فبغير ذلك، سيبقى الخطاب عالياً… وتبقى الأولويات ضائعة.

حمى الله الأردن.








طباعة
  • المشاهدات: 5145
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
21-02-2026 10:34 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم