حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,19 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 3928

اللواء م. طلال الغبين يكتب :شرف العسكرية .. حين يتجذّر الانضباط في الضمير

اللواء م. طلال الغبين يكتب :شرف العسكرية .. حين يتجذّر الانضباط في الضمير

 اللواء م. طلال الغبين يكتب :شرف العسكرية ..  حين يتجذّر الانضباط في الضمير

18-02-2026 11:07 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : اللواء الركن م/ طلال الغبين
حين ينتسب الأردني إلى الجيش، فإنه لا يلتحق بوظيفة، بل ينخرط في عهدٍ راسخ مع الله، ثم مع الوطن والمليك؛ عهدٌ يقوم على الثبات حين تتبدل المواقف، وعلى الصلابة حين تتراجع الإرادات، وعلى ألا تُخذل الأمانة في لحظةٍ تُختبر فيها كرامة الدولة قبل حدودها. هو عهدٌ لا يُعلن في الكلمات بقدر ما يترسّخ في الضمائر، ويُقاس بالفعل لا بالقول؛ ومن هنا، لا يكون الانضباط مجرد امتثالٍ لأمر، بل التزاماً واعياً لا يتزعزع، يتجلّى في أدق التفاصيل، ويُختبر في لحظات الصمت كما في ميادين الفعل.

في هذا السياق، لا يُفهم الانضباط العسكري بوصفه إجراءً تنظيمياً فحسب، بل كركيزة أصيلة في العقيدة العسكرية الوطنية، التي تُعيد تشكيل وعي العسكري، وتربطه بمفهوم أشمل عنوانه حماية الدولة وكرامتها. فالعسكري لا يتحرك ضمن حدود الواجب المباشر فقط، بل ضمن إدراك عميق لمتطلبات الأمن الوطني الشامل، حيث تتكامل المسؤولية الفردية مع الواجب الجمعي، ويغدو الأداء اليومي جزءاً من منظومة متكاملة تحفظ الجاهزية القتالية وتُعزّز تماسك المؤسسة.

ومن هنا، يتجاوز الانضباط كونه التزاماً شكلياً، ليغدو تعبيراً عن وعي داخلي يُحسن تقدير الموقف، ويضبط السلوك، ويمنع أي خلل قد يُربك تنفيذ المهام أو يُضعف وحدة الصف. فالجندي الذي يتشرّب الانضباط كقيمة، لا ينتظر التوجيه ليؤدي واجبه، بل يستبق اللحظة بإدراكه، ويُسهم في تعزيز كفاءة الأداء، ويُشكّل جزءاً من منظومة متماسكة لا تعرف الارتباك في اللحظات الحاسمة.

لقد قامت الجيوش الوطنية الراسخة على توازن دقيق بين القوة والقيم، حيث يُشكّل الانضباط أساس حوكمة القوة، ويُعد الشرف العسكري حجر الزاوية في مشروعية استخدامها. فالقوة، مهما بلغت، لا تكتسب معناها إلا حين تُضبط بمنظومة أخلاقية واضحة، تضمن توجيهها نحو حماية الدولة، لا الانحراف عن مسارها. ومن هنا، تتكرّس ثقة المجتمع بالمؤسسة العسكرية، بوصفها قوة منضبطة بالقيم، قبل أن تكون أداة ردع.

وفي بيئة إقليمية تتسم بالتعقيد والتقلب، يصبح الانضباط العسكري أحد أعمدة إدارة المخاطر الوطنية، حيث يضمن ضبط الإيقاع، ومنع الانزلاق نحو الفوضى، والحفاظ على توازن الردع ضمن حدود المسؤولية الوطنية. وهنا، لا يكون العسكري مجرد منفّذ، بل شريكاً واعياً في حماية القرار الوطني، وحارساً لثوابته، ومدركاً لحساسية اللحظة ودقة الموقف.

وفي الحالة الأردنية، يكتسب هذا المفهوم بعداً أكثر رسوخاً، لأن العلاقة بين الشعب والجيش تتجاوز الإطار المؤسسي إلى فضاء الانتماء والهوية. فالأردني يرى في العسكري امتداداً لقيمه وتجسيداً لكرامته، ولذلك فإن الانضباط هنا لا يُختزل في كونه مفروضاً بتعليمات المؤسسة، بل يتجذّر في داخل النفس، ويترسّخ كقناعةٍ راسخة تُلازم العسكري في كل موقع.

ومن هذا المنطلق، فإن شرف الجندية لا يتجلّى في لحظات البطولة فحسب، بل في ذلك الالتزام الصامت الذي يُمارَس يومياً؛ في النزاهة، وفي تحمل المسؤولية، وفي تقديم الواجب على كل اعتبار. فهو ليس قيمة ظرفية، بل مناعة مؤسسية تحمي الجيش من الداخل، وتُبقيه ثابتاً في وجه التحديات، عصياً على التآكل أو الانحراف، وقادراً على أداء دوره كركيزة سيادية لا تميل.

أما حين يترجل العسكري عن الخدمة، فإنه لا يغادر هذه المنظومة، لأن الشرف لم يكن يوماً جزءاً من البزّة فقط، بل كان جزءاً من تكوينه. فيبقى، حيثما كان، حاملاً لهذا الوعي، مُجسّداً لقيم الانضباط، وممتداً في حضوره كجزء من العمق الوطني الذي تستند إليه الدولة في وعيها واستقرارها.

ويبقى شرف العسكرية في الأردن ركيزة أساسية في بنية الدولة، لأنه يُجسّد الانضباط بوصفه قيمة أخلاقية قبل أن يكون التزاماً تنظيمياً. وحين يتحوّل هذا الانضباط إلى وعيٍ راسخ في الضمير، تصبح المؤسسة العسكرية أكثر من قوة تحمي الحدود؛ تصبح نموذجاً في التماسك، وضمانةً للاستقرار، ويغدو العسكري حارساً لفكرة الوطن، ومسؤولاً عن صونها… في كل ظرف، وعلى كل حال.








طباعة
  • المشاهدات: 3928
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
18-02-2026 11:07 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم