حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,19 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 7467

الحقوق المكتسبة في ظل تعديلات الضمان الاجتماعي بين استدامة الصندوق وصون المراكز القانونية

الحقوق المكتسبة في ظل تعديلات الضمان الاجتماعي بين استدامة الصندوق وصون المراكز القانونية

الحقوق المكتسبة في ظل تعديلات الضمان الاجتماعي بين استدامة الصندوق وصون المراكز القانونية

18-02-2026 09:02 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم :
محمد إبراهيم مطالقة
محامٍ وباحث قانوني

تشكل التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي محطة مفصلية في العلاقة بين الدولة والمشتركين، إذ تمسّ بصورة مباشرة شروط استحقاق راتب التقاعد، وعدد الاشتراكات اللازمة، وسن التقاعد، بما يثير سؤالًا دستوريًا جوهريًا:
هل يجوز للمشرّع تعديل شروط الاستحقاق بعد أن قطع المؤمن عليه شوطًا طويلًا في بناء مركزه القانوني؟

أولًا: مفهوم الحق المكتسب وتمييزه عن مجرد الأمل
استقر الفقه الدستوري على أن “الحق المكتسب” هو المركز القانوني الذي اكتملت عناصره وفقًا للقانون النافذ وقت نشوئه، بحيث يصبح جزءًا من الذمة القانونية لصاحبه، ولا يجوز المساس به بأثر رجعي.
وفي المقابل، فإن “الأمل المشروع” أو التوقع المستقبلي لا يرقى إلى مرتبة الحق المكتسب إذا لم تكتمل شروطه.
غير أن المسألة في قانون الضمان الاجتماعي ليست بهذه البساطة؛ فالمؤمن عليه لا ينشئ مركزه القانوني بلحظة واحدة، بل عبر مسار زمني طويل من الاشتراكات الدورية، ما يجعل مركزه القانوني في حالة “تكوّن تدريجي”، وليس انتظارًا مفاجئًا لحق لم يولد بعد.
وهنا تبرز الإشكالية:
هل يُعتبر من تجاوز نصف الاشتراكات المطلوبة صاحب مركز قانوني جدير بالحماية الدستورية؟

ثانيًا: مبدأ عدم رجعية القوانين وحماية الثقة المشروعة
ينص الدستور الأردني في المادة (93/2) على أن القوانين تسري بأثر مباشر ما لم يُنص على خلاف ذلك، غير أن القضاء الإداري والفقه الدستوري مستقران على أن مبدأ عدم الرجعية لا يقتصر على النصوص الجنائية، بل يمتد لحماية المراكز القانونية المستقرة.
كما أن مبدأ “الأمن القانوني” و”حماية الثقة المشروعة” من المبادئ الدستورية المستقرة في الأنظمة المقارنة، ويقتضي:
●وضوح القواعد القانونية
●استقرارها النسبي
●عدم تغييرها بصورة مفاجئة تضر بمن بنوا أوضاعهم القانونية على أساسها
فإذا كان المؤمن عليه قد بنى خطته المهنية والمالية على شروط تقاعد معينة، فإن تعديل هذه الشروط دون فترة انتقالية عادلة قد يمس جوهر الثقة المشروعة.

ثالثًا: التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الدستورية
لا جدال في أن استدامة صندوق الضمان الاجتماعي تمثل مصلحة عامة عليا، وأن للمشرّع سلطة تقديرية في تنظيم الحقوق التأمينية.
غير أن هذه السلطة ليست مطلقة، بل تقف عند حدود:
●مبدأ التناسب
●عدم المساس غير المبرر بالحقوق قيد التكوين
●عدم تحميل جيل بعينه كلفة أخطاء تراكمية سابقة

فإذا كانت الاختلالات الاكتوارية نتاج سياسات سابقة، فإن معالجتها يجب أن تتم بصورة تدريجية وعادلة، لا أن يُعاد توزيع العبء بالكامل على من تجاوزوا نصف الاشتراكات أو اقتربوا من سن الاستحقاق.

رابعًا: ضرورة إطالة الفترة الانتقالية
من الناحية الدستورية، كلما كان التعديل جوهريًا، وجب أن تكون الفترة الانتقالية أطول.
والعدالة تقتضي التمييز بين:
١.من هم في بداية مسارهم التأميني
٢.من تجاوزوا نصف مدة الاشتراك
٣.من تبقّى لهم أقل من خمس سنوات على الاستحقاق
فالأخيرون يتمتعون بمركز قانوني أقوى يستوجب حماية أعلى، لأن تعديل الشروط في هذه المرحلة يمس جوهر خططهم المالية والاجتماعية.

وعليه، فإن الحل الدستوري المتوازن يتمثل في:
●الإبقاء على الشروط السابقة لمن تجاوزوا نسبة معينة من الاشتراكات (مثل 50% أو 60%)
●أو إقرار فترة علاجية أطول تتدرج في التطبيق
●أو تخفيف الأثر عبر آليات احتساب انتقالية

خامسًا: هل يشكل التعديل إجحافًا؟

الإجحاف لا يُقاس بمدى صرامة النص، بل بمدى احترامه للمراكز القانونية السابقة.

فإذا طُبقت التعديلات بأثر فوري على من أوشكوا على الاستحقاق، فقد يُثار جدل دستوري حول:
●الإخلال بمبدأ المساواة
●الإضرار غير المتناسب بالمراكز القانونية قيد التكوين
●المساس بالثقة المشروعة

أما إذا رُوعي التدرج والانتقال المنصف، فإن التعديل يبقى في إطار السلطة التنظيمية المشروعة.

خاتمة
إن إصلاح أنظمة الضمان ضرورة مالية لا جدال فيها، لكن العدالة الدستورية تقتضي أن لا تتحول المعالجة إلى إعادة رسم لقواعد اللعبة بعد أن قطع اللاعبون نصف الطريق.
فحماية الصندوق لا تنفصل عن حماية الثقة فيه،
والثقة لا تُبنى إلا باستقرار القواعد واحترام المراكز القانونية التي نشأت في ظلها.
إن أي تعديل لا يراعي ذلك قد يكون صحيحًا حسابيًا، لكنه يظل محل تساؤل دستوري.








طباعة
  • المشاهدات: 7467
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
18-02-2026 09:02 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم