17-02-2026 10:06 AM
بقلم : أ. د. ليث كمال نصراوين
أعلن رئيس الجامعة الأردنية قبل أيام أن الجامعة الأم قد نجحت في إنهاء ملف المديونية الذي أثقل مسيرتها لسنوات، وأنها استطاعت إعادة تنظيم أوضاعها المالية بعد مرحلة ممتدة من المعالجة والتصويب. وهذا الإعلان لا ينبغي أن يُقرأ كخبر مالي واقتصادي فحسب، بل كتحول مؤسسي له دلالات دستورية وقانونية أعمق تتعلق بعمل المرافق العامة في الدولة، وبالأساس الذي يقوم عليه اختيار القائمين على إدارتها.
لقد حققت الجامعة الأردنية ما لم تتمكن جامعات رسمية أخرى من تحقيقه، رغم تشابه التحديات الاقتصادية التي تحيط بقطاع التعليم العالي. ولا شك أن الجامعة تمتلك مقومات مميزة تتمثل بمكانتها الوطنية والعالمية وقاعدتها الطلابية الواسعة، إلا أن التجربة العملية تثبت أن المقومات وحدها لا تصنع النجاح؛ فكثير من المؤسسات الحكومية تمتلك موارد وإمكانات، لكنها لا تحسن إدارتها. فالفارق الحقيقي يكمن في حُسن القيادة والقدرة على تحويل الإمكانات إلى نتائج ملموسة.
إن الوصول إلى مرحلة "تصفير المديونية" لم يكن إجراء عابرا، بل ثمرة عمل إداري تراكمي اعتمد على ضبط الإنفاق، وإعادة ترتيب الأولويات، وترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على الانضباط والمساءلة. فلم يقتصر أثر هذا النهج على معالجة الوضع المالي فحسب، بل انعكس على أداء الجامعة ككل، حيث تقدم ترتيبها في التصنيفات العالمية، وتحسنت مؤشرات البحث العلمي، وتطورت بيئتها الجامعية وبنيتها التحتية بصورة لافتة، فحصل إصلاح مؤسسي متكامل تجاوز الجانب المالي إلى تجويد الأداء الأكاديمي والإداري.
ويبقى البُعد الأهم في قصة نجاح الجامعة الأردنية مرتبطا بحسن تطبيق نصوص الدستور، وفي مقدمتها المادة (22) منه التي تقضي بأن التعيين في الوظائف العامة يكون على أساس الكفايات والمؤهلات. فهذا النص الدستوري يضع قاعدة واضحة لإسناد المواقع القيادية في المؤسسات الوطنية، مفادها أن الكفاءة والجدارة هما الأساس في اختيار من يتولى المسؤولية.
فالغاية التي أراد المشرع الدستوري تحقيقها من هذه المادة الدستورية تتمثل في تحصين الإدارة العامة من الاعتبارات غير الموضوعية في التعيين، وضمان أن يكون معيار الكفاءة هو الضابط الأساسي لتولي المسؤولية، وذلك بهدف حماية المال العام وصون المصلحة الوطنية. فالوظيفة العامة، ولا سيما في مستوياتها القيادية العليا، تمثل الأداة الحقيقية لتنفيذ السياسات العامة للدولة، وأي خلل في اختيار شاغليها سينعكس مباشرة على أداء المؤسسات واستقرارها. ومن هنا، فإن اعتماد الكفاية والمؤهل أساسا للتعيين يحقق العدالة وتكافؤ الفرص، ويؤسس لإدارة مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات وتحقيق الإنجازات.
ولا يقتصر نطاق تطبيق المادة (22) على مرحلة التعيين، بل يمتد ليشمل تقييم الأداء وضمان استمرار المسؤول في موقعه ما دام قد أثبت نجاحه وقدرته على إحداث أثر ملموس. وهذا ما تجسد بوضوح في حالة رئيس الجامعة الأردنية، الذي أنهى ولايته الأولى بعد أن شهدت الجامعة في عهده تحولا نوعيا في أدائها العام، فجاء قرار تجديد الثقة به لولاية ثانية استنادا إلى تقييم موضوعي لأدائه، وتقديرا للانجازات التي تحققت في عهده على مختلف المستويات.
إن ربط التجديد في الموقع العام بالنتيجة المتحققة يرسخ ثقافة مؤسسية قائمة على المحاسبة الموضوعية، ويؤكد أن المنصب العام ليس حقا مكتسبا، بل مسؤولية مشروطة بالأداء. فعندما يرى الرأي العام أن الاستمرار في الموقع القيادي مرتبط بتحقيق أهداف واضحة ونتائج قابلة للقياس، تتعزز الثقة بالمؤسسة وبآلية اتخاذ القرار، وتتحول النصوص الدستورية من مبادئ نظرية إلى ممارسة عملية تنعكس آثارها الإيجابية على إدارة الشأن العام.
من هنا، فإن ما تحقق في الجامعة الأردنية لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه حالة خاصة، بل كنموذج قابل للتعميم على باقي مؤسسات الدولة التي تحتاج إلى ترسيخ قاعدة اختيار الأكفأ، ومحاسبته على الإنجاز، وتجديد الثقة به متى أثبت نجاحه وقدرته على إحداث التغيير. وعندما يصبح هذا النهج ممارسة مستقرة لا استثناء، فإن أداء الإدارة العامة سيرتقي بصورة طبيعية.
إن "الجامعة الأردنية بلا مديونية" ليست مجرد عبارة مالية، بل تعبير عن حقيقة مفادها أن احترام النصوص الدستورية فيما يتعلق باختيار المسؤول من شأنه أن يحقق نتائج مثمرة على أرض الواقع، فعندما يُسند المنصب العام إلى الأكفأ، يصبح النجاح مسارا طبيعيا لا حدثا استثنائيا.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
17-02-2026 10:06 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||