حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,15 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 8042

د. هيثم علي حجازي يكتب: الوظيفة الحكومية: هل ما زالت “الحلم الآمن”؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: الوظيفة الحكومية: هل ما زالت “الحلم الآمن”؟

د. هيثم علي حجازي يكتب: الوظيفة الحكومية: هل ما زالت “الحلم الآمن”؟

15-02-2026 11:58 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
لم يعد السؤال الذي يشغل بال كثير من الشباب في الأردن هو كيف يحصلون على وظيفة حكومية، بل ما إذا كانت هذه الوظيفة قادرة على أن تمنحهم حياة تساعدهم على العيش بها بكرامة. وهذا التحول في التفكير لا يعكس تَغَيُّراً في الأذواق أو طموحات فردية عابرة، بل يكشف عن تحوّل اقتصادي واجتماعي عميق، يعيد صياغة العلاقة التقليدية بين المواطن والقطاع العام، ويضع مفهوم “الأمان الوظيفي” نفسه تحت المجهر.


لأجيال طويلة، كانت الوظيفة الحكومية حلما يمثل أعلى مستوى من الاستقرار النفسي والاقتصادي والمكانة الاجتماعية، كما كانت بمثابة عقد غير مكتوب بين الدولة والمواطن: راتب ثابت مقابل ولاء وظيفي طويل الأمد. وكانت الأسرة تنظر إلى تعيين أحد أبنائها في مؤسسة حكومية كإنجاز عظيم نهائي، وكأن مسألة المستقبل قد حُسمت لصالحها. صحيح أن الراتب لم يكن مرتفعا بالضرورة، لكنه كان كافيا في ظل كلفة معيشة أقل، ومتطلبات حياة أكثر بساطة. والأهم من ذلك كله أن الوظيفة الحكومية كانت تمنح الموظف وأسرته شعورا نفسيا عميقا بالأمان في مجتمع يخشى التقلبات الاقتصادية ويقدّر الاستقرار.
لكن هذا النموذج بدأ يفقد توازنه شيئا فشيئا لأن الحياة اليوم أصبحت أكثر كلفة وتعقيدا، بينما بقيت البنية العامة للوظيفة الحكومية أبطأ في مواكبة هذه التحولات. فالشاب الذي يدخل سوق العمل اليوم يواجه واقعا مختلفا تماما: إيجارات مرتفعة، وأسعار سلع وخدمات متزايدة، والتزامات أسرية مبكرة، وضغوط اجتماعية تتعلق بالسكن والزواج وتأسيس حياة مستقلة. وفي هذا السياق، لم يعد الراتب الثابت كافيا ليمنح ذلك الشعور بالأمان المعيشي، حتى لو وفّر أمانا وظيفيا من حيث الاستمرارية.
وهنا ينشأ التناقض الحاد: فالموظف الحكومي إنْ لم يشعر بالخوف من فقدان وظيفته، فإنه يعيش قلقا دائما من نهاية الشهر. ومثل هذا النوع من “الاستقرار القَلِق” يخلق ضغطا نفسيا واقتصاديا صامتا، ويجعل الوظيفة تبدو كملاذ من المخاطر الكبيرة، رغم أنها عاجزة عن فتح أبواب التقدم الحقيقي. ومع مرور الوقت، يتحول الأمان إلى شعور بالجمود، ويصبح الراتب الثابت سقفا لا منصة انطلاق.
من الناحية الاقتصادية، لم يعد القطاع العام في معظم الدول، ومنها الأردن، قادرا على لعب دور “المشغّل الأكبر” كما كان في الماضي. فالنمو الاقتصادي الحديث يأتي من قطاعات أكثر ديناميكية مثل التكنولوجيا، والخدمات المتخصصة، وريادة الأعمال، والمشروعات الخاصة، لأن هذه القطاعات تتميز بقدرتها على خلق فرص دخل قابلة للنمو، ومسارات مهنية مرنة، وبيئات عمل تتغير بسرعة. في المقابل، تبقى الهياكل الوظيفية الحكومية أكثر ارتباطا بأنظمة تقليدية في الترقيات والحوافز، ويشكل لا ينعكس معه الأداء المتميز دائما على الدخل بشكل واضح وسريع.
هذا الواقع يغيّر تعريف “الأمان” لدى الجيل الجديد، إذ لم يعد الأمان يعني مجرد وظيفة دائمة، بل دخلاً يمكن أن يتطور، وفرصا للتعلم والتقدم، وقدرة على تحسين مستوى المعيشة بمرور الوقت. فالشاب الذي يرى أقرانه في القطاع الخاص أو في مشاريعهم الخاصة يحققون قفزات مالية ومهنية خلال سنوات قليلة، يجد نفسه، لا بدافع الطمع، يرعب في حياة أكثر اتساعا من دائرة الفواتير الأساسية.
وينعكس هذا التحول أيضا داخل الأسرة؛ فجيل الآباء، الذي عاش ظروفا اقتصادية مختلفة، ما زال يرى في الوظيفة الحكومية ملاذا من المخاطر، في حين أن الأبناء ينظرون إلى الحياة من زاوية أوسع، حيث الكرامة لا تعني فقط وجود راتب، بل القدرة على الادخار، وتملُّك منزل، والسفر، وتطوير الذات، وبناء مستقبل دون ضغط مالي دائم. بمعنى أن الخلاف هنا لا يدور حول قيمة الاستقرار، بل حول معنى “الحياة الكريمة” وحدودها.
في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة النظر في دور المشروعات الصغيرة والمتوسطة كجزء أساسي من الحل، لا كخيار ثانوي أو مغامرة غير مضمونة. فهذا النوع من المشاريع لا يوفر فقط فرص عمل، بل يخلق ثقافة اقتصادية جديدة تقوم على المبادرة وتحمل المسؤولية والإبداع. فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة قادرة على استيعاب طاقات الشباب، وتوليد دخل قابل للنمو، وتحريك الاقتصاد المحلي في المدن والأطراف، بدلا من تركّز الفرص في مناطق محددة محدودة. ويتطلب تشجيع هذا المسار بيئة حكومية داعمة: تسهيلات تمويلية ميسّرة، وإجراءات ترخيص مبسطة، وبرامج تدريب حقيقية في الإدارة والتسويق، وحماية قانونية واضحة. وبالتالي، عندما يشعر الشاب أن الدولة لا تدفعه قسرا نحو الوظيفة التقليدية، وأنها تفتح أمامه أبوابا متعددة، يصبح القطاع العام جزءا من منظومة اقتصادية متكاملة، وليس المسار الوحيد للنجاة.
هذا لا يعني التقليل من أهمية الوظيفة الحكومية أو دورها الحيوي في تقديم الخدمات العامة، بل يعني إعادة تعريفها، لأن المطلوب قطاع عام أكثر مرونة يربط الحوافز بالأداء، ويوفر مسارات مهنية واضحة، ويمنح الشباب مساحة للمبادرة داخل المؤسسات نفسها. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون دعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة خيارا استراتيجيا، لا مجرد شعارات.
في النهاية، الوظيفة الحكومية لم تفقد قيمتها، لكنها فقدت صورتها القديمة كحلم نهائي، إذ تحولت من رمز للطمأنينة المطلقة إلى خيار من بين عدة خيارات. ويكمن التحدي الحقيقي اليوم ليس في الدفاع عن النموذج القديم، بل في بناء منظومة اقتصادية تسمح للشاب الأردني أن يختار، وأن يجرب، وأن يخطئ ويتعلم، دون أن يشعر أنه يغامر بمستقبله كله. وبين الأمان والطموح، لا ينبغي أن يُجبر الشباب على الاختيار، بل أن يجدوا طريقا ثالثا يجمع بينهما.











طباعة
  • المشاهدات: 8042
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
15-02-2026 11:58 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم