حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,14 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5361

م صلاح طه عبيدات يكتب: من ذاكرة المطر .. في قريتي

م صلاح طه عبيدات يكتب: من ذاكرة المطر .. في قريتي

م صلاح طه عبيدات يكتب: من ذاكرة المطر  .. في قريتي

14-02-2026 12:27 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : م. صلاح طه عبيدات
اليوم…
ومع كل قطرة مطرٍ تتساقط على بلاط الحارة العتيقة،
أمشي كما لو أنّ قدميّ تسيران في دهاليز ذاكرتي لا في طرقات القرية.
كل حجرٍ تحت قدمي يشبه صفحةً من العمر،
وكل رائحة طينٍ تتصاعد تشبه جملةً من كتابٍ كنتُ قد أعدتُ قراءته ألف مرة
ولم أفهمه إلا الآن.
أرفع رأسي نحو السماء المكفهرة…
البرق لا يمزّق الظلام فحسب،
بل يمزّق في داخلي ستائر من زمنٍ رحل،
ويُعيد لي وجوهًا كنتُ أظنّها انطفأت.
كأن المطر، في هذه القرية تحديدًا،
لا يهطل على الأرض،
بل يهطل على الذاكرة…
فيوقظها من سباتٍ طويل.
أتجول بين البيوت الطينية التي ضاقت جدرانها بالسنين،
وأرى الأطفال الذين كنّاهم ذات يوم—
يعدون خلف الرعد،
يضحكون من خوفٍ لم يكن خوفًا
بل دهشة أول لقاء مع قوة الطبيعة.
كان المطر، يومها، عيدًا للروح،
وكان الطين ملعبًا لا يشيخ،
وكنتُ أنا…
طفلًا يظن أن العالم لا يمكن أن يكون أجمل مما هو عليه
حين تُبَلّل السماء شعره.
أمشي أكثر…
أصل إلى الزاوية التي كان يقف عندها أبي، رحمه الله،
يضع يديه خلف ظهره
ويتأمل المطر كما يتأمل حكيمٌ كتابه الأخير.
أقف في الموضع ذاته،
ويسقط المطر على كتفي،
فأشعر كأن يدًا قديمة تربت عليّ،
تقول لي شيئًا من أسرار البدايات.
كم كان أبي يشبه المطر…
يحضر بهدوء،
يُصلح ما يستطيع،
ويمضي دون صوتٍ كبير
لكن أثره يبقى طويلًا بعد الرحيل.
بين الأزقة الضيقة أرى ظلال الصغار تركض—
لكنها ليست ظلال أطفال اليوم،
بل أطفال الأمس الذين كنّاهم.
أتذكر كيف كانت الطرقات تتحول بعد الهطول
إلى أنهارٍ صغيرة
نلاحق فيها الورق والصخور
وكأننا نرسل سفنًا تحمل أحلامًا أكبر كثيرًا من عمرنا.
أتذكر رائحة القش المبتل…
رائحة زمنٍ لم يفسده الإسفلت بعد،
ولم تبتلعه الكاميرات،
ولم تختصره الإشعارات.
اليوم…
أعود إلى القرية بعد ستين عامًا،
فلا أجد الأطفال كما كانوا،
ولا الطرقات كما عرفتها،
ولا المطر كما كان…
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:
ذلك الرجف الخفيف في القلب
حين تلامس أول قطرة خدّك،
كأنها توقظك من حياةٍ عشتها على عجل.
أجلس على درج قديم…
أراقب الحارة التي حفظتني أكثر مما حفظتها،
وأشعر بأن التطور الرقمي بكل صخبه،
والحياة الحديثة بكل سرعتها،
لم تنجح في طمس هذا المشهد.
المطر وحده…
يملك القدرة على أن يعيد الإنسان إلى نسخته الأولى،
إلى ذلك الطفل الذي كان يصرخ من الفرح
ويجري خلف قطرة
كأن قلبه هو الذي يريد اللحاق بها.
هكذا أدرك، وأنا أتجول بين أبواب القرية،
أن المطر ليس مجرد حالة طقس،
بل حالة وجود:
يذكّرنا بمن كنّا،
وبمن صرنا،
وبما تبقى في الداخل رغم كل محاولات النسيان.
وفي هذه اللحظة…
أفهم أن المطر لم يسقط اليوم على القرية فقط—
بل سقط عليّ أنا.
سقط على التاريخ الصغير الذي أحمله في صدري،
وسقط على صورة أبي،
وعلى طفولتي،
وعلى ذلك الجزء من روحي
الذي ظلّ ينتظر هذا الهطول
ليعود حيًا من جديد.











طباعة
  • المشاهدات: 5361
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
14-02-2026 12:27 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم