حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأربعاء ,11 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6664

مقدادي يكتب: الأردن… شرعية التاريخ وقداسة الرسالة وصلابة الدولة

 مقدادي يكتب: الأردن… شرعية التاريخ وقداسة الرسالة وصلابة الدولة

11-02-2026 01:02 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : المهندس ثائر عايش مقدادي
يشكّل الأردن نموذجًا سياسيًا فريدًا في منطقة عُرفت بالاضطراب وعدم الاستقرار، إذ حافظ على تماسكه الداخلي ووحدته الوطنية رغم تعاقب الأزمات الإقليمية والدولية. هذا التماسك لم يكن نتاج صدفة سياسية أو ظرف عابر، بل هو حصيلة تفاعل عميق بين التاريخ والدين والقيادة، ما أوجد دولة ذات جذور راسخة وهوية واضحة، قادرة على الصمود والاستمرار.

لم تكن أرض الأردن يومًا هامشًا في التاريخ، بل كانت في قلبه. فمنذ العصور القديمة، شكّلت هذه الأرض معبرًا استراتيجيًا بين المشرق والمغرب، وبين الجزيرة العربية وبلاد الشام، فكانت نقطة التقاء حضاري وثقافي وسياسي. تعاقبت عليها الحضارات والسلطات، لكن العامل المشترك كان دائمًا قدرتها على امتصاص التحولات لا الانكسار أمامها.

ومع بدايات القرن العشرين، وفي مرحلة إعادة تشكيل المشرق العربي عقب انهيار الدولة العثمانية، جاء تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 كتجسيد لإرادة سياسية واعية، قادها الهاشميون برؤية تقوم على بناء الدولة لا إدارة الأزمة فقط. فالدولة الأردنية لم تُبنَ على منطق الغلبة أو الانقلاب، بل على التدرج، والشرعية، والقبول المجتمعي، ما منحها أساسًا متينًا للاستمرار.

يحمل الأردن بعدًا دينيًا خاصًا، يتجاوز كونه مجرد دولة ذات أغلبية مسلمة. فالأرض الأردنية احتضنت أنبياء الله، وشهدت مسيرتهم، وتضم مقامات الصحابة الذين نشروا رسالة الإسلام بعد وفاة النبي محمد ﷺ. هذا الإرث الديني رسّخ في الوعي الجمعي الأردني ارتباطًا عميقًا بين الأرض والقيم، وبين الدولة والرسالة.

وتتجلى هذه الخصوصية بشكل أوضح في القيادة الهاشمية، المنحدرة من آل بيت النبي ﷺ، ما منح النظام السياسي الأردني شرعية دينية أخلاقية نادرة في العالم الإسلامي المعاصر. هذه الشرعية لم تُستخدم كأداة سلطة، بل كمرجعية أخلاقية ضابطة، كرّست مفهوم الحكم القائم على العدل، والاعتدال، وخدمة الناس، لا السيطرة عليهم.

لم يكن الدور الهاشمي في الأردن دورًا شكليًا أو رمزيًا، بل كان مشروع دولة متكامل. فمنذ الثورة العربية الكبرى، ارتبط المشروع الهاشمي بفكرة الدولة العربية المستقلة ذات السيادة، القائمة على الوحدة والهوية والكرامة. وعندما ترسّخت الدولة الأردنية، استمر هذا النهج في ترسيخ مؤسساتها، وتعزيز سيادة القانون، وبناء جيش وطني محترف، شكل أحد أعمدة الاستقرار السياسي.

ومع تعاقب الملوك، حافظ الأردن على خط سياسي ثابت: الانحياز للدولة لا للفوضى، وللعقل لا للمغامرة، وللثوابت لا للتقلبات. هذا الثبات السياسي، في منطقة تعيش على وقع الانقلابات والتدخلات، عزز ثقة المواطن بدولته، ورسّخ مفهوم الالتفاف حول القيادة في لحظات الخطر.

إن أحد أهم أسباب تماسك الأردن سياسيًا هو وجود عقد اجتماعي غير معلن (غير مكتوب)، يقوم على التوازن بين الدولة والمجتمع. فالأردنيون، بمختلف أصولهم ومكوّناتهم، وجدوا في الدولة إطارًا جامعًا يحمي الهوية الوطنية ويصون الكرامة الإنسانية. وفي المقابل، حافظت الدولة على نهج الاعتدال، ورفض الإقصاء، واحترام التعدد، ما حال دون الانزلاق إلى صراعات داخلية مدمّرة.

وقد برز هذا التماسك بوضوح في مواجهة الأزمات الاقتصادية، والضغوط السياسية، والتحديات الأمنية، حيث ظل الأردن صامدًا، مستندًا إلى وعي شعبي يدرك خطورة الفوضى، وإلى قيادة تحسن إدارة التوازنات الدقيقة داخليًا وخارجيًا.

سياسيًا، لم يكن الأردن يومًا دولة هامشية أو تابعة، بل دولة موقف، تنطلق من ثوابتها التاريخية والدينية والقومية. وقد انعكس ذلك في مواقفه من القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهي مسؤولية تاريخية ودينية عززت مكانة الأردن الإقليمية والدولية.

إن الجمع بين الشرعية التاريخية، والمرجعية الدينية، والحكمة السياسية، جعل من الأردن دولة قادرة على المناورة دون التفريط، وعلى الصمود دون عزلة، وعلى الثبات دون جمود.

إن تماسك الأردن السياسي ليس حالة استثنائية عابرة، بل نتيجة منطقية لمسار تاريخي طويل، تداخل فيه الدين مع السياسة، والقيادة مع المجتمع، والهوية مع الدولة. ومن هنا، فإن الأردن لم يكن مجرد كيان سياسي نشأ في لحظة تاريخية، بل هو دولة تشكّلت على أساس من الشرعية والوعي والمسؤولية، ما جعلها ركيزة استقرار في إقليم مضطرب، ونموذجًا لدولة تعرف من أين جاءت، وإلى أين تتجه.











طباعة
  • المشاهدات: 6664
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
11-02-2026 01:02 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم