حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,10 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5968

د. زياد جلال الحنفي يكتب: الذكاء الاصطناعي لا يكتب عنا… بل يكتب معنا

د. زياد جلال الحنفي يكتب: الذكاء الاصطناعي لا يكتب عنا… بل يكتب معنا

د. زياد جلال الحنفي يكتب: الذكاء الاصطناعي لا يكتب عنا… بل يكتب معنا

10-02-2026 08:39 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. زياد جلال الحنفي
في كل مرة تظهر فيها اداة جديدة تعيد تشكيل علاقتنا بالكلمة، ينهض صوت يعترض لا بدافع النقد بقدر ما هو خوف من التغيير. هكذا حدث مع الطباعة حين اعتبرت تهديدا للمعرفة، وهكذا قوبل الحاسوب بالريبة، واليوم يتكرر المشهد نفسه مع الذكاء الاصطناعي حين يستخدم كأداة للكتابة والتحرير وتحسين المحتوى. وكأن المشكلة ليست في الفكرة ولا في الرسالة، بل في الاداة نفسها.
ينطلق كثير من المنتقدين من تصور مبسط مفاده ان من يستعين بالذكاء الاصطناعي قد تنازل عن جوهر الكتابة، وان النص الناتج فاقد للقيمة او الاصالة. غير ان هذا التصور يتجاهل حقيقة اساسية مفادها ان الذكاء الاصطناعي لا يملك وعيا ولا تجربة ولا موقفا انسانيا. هو لا يكتب من ذاكرة ولا من احساس ولا من معاناة، بل يعيد ترتيب ما يقدم له وفق منطق احصائي بحت. اما الفكرة والزاوية والهدف فهي عناصر لا تولد الا في ذهن الكاتب.
الكاتب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لا يسلم قلمه، بل يعيد تنظيم جهده. ينتقل من الانشغال بالصياغات الثقيلة والتكرار اللغوي الى التركيز على المعنى والبنية والرسالة. يصبح دوره أكثر وضوحا بوصفه موجها للنص لا منفذا اعمى له. فالأداة لا تقوده، بل هو من يقودها ويحدد لها الاتجاه والحدود.
ولو كان معيار القيمة هو الاداة المستخدمة، لكان من الواجب ان نشكك في كل نص كتب على لوحة مفاتيح بدل الورق، او مر على مدقق لغوي، او خضع لمحرر. غير ان القيمة الحقيقية للنص لا تقاس بمساره التقني، بل بقدرته على اثارة التفكير، وبعمق فكرته، وبصدق صوته، وبالأثر الذي يتركه في القارئ.
النص الضعيف سيبقى ضعيفا مهما بلغت الادوات التي كتب بها، والنص العميق سيظل عميقا حتى لو استعان صاحبه بكل وسائل العصر. الذكاء الاصطناعي لا يصنع مضمونا من فراغ، ولا يخلق رؤية من عدم، بل يعمل كمرآة تعكس ما يوضع امامها. فان كان ما يوضع سطحيا، انعكس سطحيا، وان كان عميقا، خرج أكثر تماسكا وتنظيما.
الخوف الحقيقي من الذكاء الاصطناعي ليس خوفا على الكتابة، بل خوف من انكشاف الفارق بين من يملك فكرة ومن يكرر غيره. فالتقنيات الجديدة لا تهدد المبدعين، بل تضع الجميع امام اختبار واضح: من لديه ما يقوله، ومن كان يعيش على مشقة الوسيلة لا على قوة الفكرة.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي ليس بديلا عن الكاتب، بل شريك في زمن متسارع. الكاتب الحقيقي لا يفقد صوته حين يستخدمه، بل يثبت صوته حين يعرف كيف يوجهه. ومع كل تحول معرفي جديد، يبقى السؤال الاهم ليس هل نستخدم هذه الادوات، بل هل نملك الوعي الكافي لاستخدامها دون ان نتخلى عن انسانيتنا ومسؤوليتنا الفكرية.











طباعة
  • المشاهدات: 5968
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
10-02-2026 08:39 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم