حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,9 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 8320

فيصل تايه يكتب: في مواجهة ارقام "الشرائح الكهربائية" وحقيقتها الصادمة ..

فيصل تايه يكتب: في مواجهة ارقام "الشرائح الكهربائية" وحقيقتها الصادمة ..

فيصل تايه يكتب: في مواجهة ارقام "الشرائح الكهربائية" وحقيقتها الصادمة  ..

09-02-2026 12:33 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : فيصل تايه
لم يعد ارتفاع قيم فواتير الكهرباء في مثل هذا الوقت من كل عام مجرد شكوى موسمية عابرة، بل أصبح واقعًا ضاغطاً يثقل كاهل آلاف الأسر الأردنية، ويقض مضجع المواطن الذي يجد نفسه، أمام أرقام صادمة لا تتناسب مع دخله ولا مع قدرته على الاحتمال ، اذ ان هذا القلق مشروع، والغضب مفهوم، لكن الأخطر من الألم ذاته أن يُبنى الغضب العام على تشخيص خاطئ، لأن الخطأ في التشخيص يقود حتماً إلى الفشل في العلاج.

خلال الفترة الماضية، وتحت وطأة هذا الضغط الشعبي، انتشرت اتهامات مباشرة لشركات الكهرباء بأنها تقوم بتوزيع الفاقد على فواتير المواطنين، خصوصًا في شهري شهري ١٢ ، ١ ، ورغم أن هذه الاتهامات نابعة من شعور عام بالظلم، إلا أنها تبقى اتهامات خطيرة تمس الثقة العامة وتُربك فهم المشكلة الحقيقية. وبعد متابعة دقيقة، وتواصل مباشر مع الجهات المعنية، وتشكيل لجان فنية، وإجراء زيارات ميدانية لمنازل تقدّم أصحابها شكاوى، تبيّن أن هذه الفرضية لم تجد أي سند فني أو محاسبي، وأن العدادات الذكية تسجل الاستهلاك الفعلي فقط، ولا تمتلك أي آلية تقنية أو محاسبية لتحميل المشترك استهلاكاً لم يقم به.

وقد عزز هذا الاستنتاج نفي رسمي واضح وصريح من شركات الكهرباء، أكد أن توزيع الفاقد على فواتير المواطنين أمر مستحيل وغير مطروح أصلًا، وأن الفاتورة تحتسب حصرياً وفق كمية الاستهلاك المسجلة على العداد والتعرفة المعتمدة ، وبهذا النفي الرسمي، تسقط سردية “التحميل القسري”، ويصبح من الضروري إعادة توجيه النقاش نحو جوهر الأزمة بدل الاستمرار في الدوران داخل دائرة اتهامات ثبت عدم صحتها.

وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة ، فإذا لم يكن هناك استنزاف منظم، ولا توزيع فاقد، فلماذا يشعر المواطن أن فاتورة الكهرباء تلتهم دخله؟

الجواب، الذي لم يعد ممكناً تجاهله، يكمن في بنية التعرفة الكهربائية القائمة على نظام الشرائح التراكمية ، فالمواطن لا يدفع فقط مقابل ما يستهلكه، بل يدفع ثمن انتقاله من شريحة إلى أخرى، حيث يقفز سعر الكيلوواط قفزات حادة بمجرد تجاوز حدود معينة، لا سيما بعد حاجز الـ٦٠٠ كيلوواط/ ساعة، وهو حاجز بات سهل التجاوز شتاءً في ظل الاعتماد شبه الكامل على الكهرباء للتدفئة وتسخين المياه.

وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية ، فالمواطن يستهلك استهلاكاً اضطرارياً لتلبية حاجات أساسية فرضتها ظروف الطقس وتغيّر أنماط الحياة ، فكثير من الأسر انتقلت من استخدام وقود الكاز والغاز إلى المدافئ الكهربائية والمكيفات بدوافع تتعلق بالسلامة وسهولة الاستخدام، لكنها وجدت نفسها فجأة في شرائح عليا ذات كلفة صادمة، تدفع فيها أضعاف ما كانت تتوقعه، ذلك لأن النظام الحالي لا يميز بين استهلاك كمالي واستهلاك فرضته الضرورة.

كما ولا يمكن تجاهل أن التوسع في استخدام السيارات الكهربائية، وتشجيعها كخيار وطني واستراتيجي، لم يُواكب حتى الآن بأي تعديل على هيكل الشرائح الكهربائية المنزلية، ما يجعل شحن المركبات في المنازل سبباً إضافياً لانتقال المواطنين إلى شرائح مرتفعة الكلفة، في تناقض واضح بين سياسات تشجيع الطاقة النظيفة وآليات التسعير المعمول بها.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات الدكتور حازم رحاحلة، رئيس مجلس إدارة شركة توزيع الكهرباء، أهمية خاصة، حين أوضح أن من يستهلك كميات كبيرة من الكهرباء لا يستفيد فعلياً من التعرفة المدعومة، بل قد يكون الرجوع إلى التعرفة العادية أقل كلفة عليه ، وهذا التصريح، الصادر عن أعلى مستوى إداري في قطاع التوزيع، يكشف بوضوح أن الخلل لا يكمن في مبدأ الدعم، بل في هيكل الشرائح الذي يحول الدعم إلى عبء بمجرد تجاوز حدود استهلاك باتت اليوم طبيعية خلال فصل الشتاء.

الأخطر من ذلك أن هذا الانتقال بين الشرائح يحدث بصمت، ودون وعي كافٍ لدى المواطن بحجم القفزة السعرية، فيتفاجأ بفاتورة لا تعكس فقط كمية الاستهلاك، بل تعكس فلسفة تسعير قاسية لا تراعي طبيعة الشتاء، ولا واقع الدخل، ولا التحولات الاجتماعية في أنماط استهلاك الطاقة. وهنا تحديداً، لا يعود الجدل فنياً بحتاً، بل يصبح اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً بامتياز.

إن استمرار هذا الواقع دون مراجعة جادة يضع الدولة أمام مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تنظيمية ، فالمواطن الأردني لا يطلب إعفاءً ولا امتيازاً ، بل يطالب بعدالة في التعرفة، وبنظام شرائح أكثر مرونة، يعترف بأن الكهرباء في الشتاء لم تعد خياراً ، بل ضرورة معيشية لا غنى عنها ، لذلك فإن إعادة النظر في حدود الشرائح، أو استحداث تعرفة شتوية مخففة، أو توسيع نطاق الدعم ليشمل الأسر المتوسطة، ضرورة وطنية لتخفيف الاحتقان وحماية الاستقرار الاجتماعي.

والخلاصة التي يجب أن تصل بوضوح إلى صناع القرار هي ان المشكلة ليست في العداد، ولا في استنزاف منظّم، ولا في توزيع فاقد، بل في نظام شرائح لم يعد متوائماً مع واقع الناس ، وإن مواجهة هذه الحقيقة بشجاعة، والانتقال من سياسة الإنكار أو التبرير إلى سياسة الإصلاح الفعلي، هو الطريق الوحيد لاستعادة ثقة المواطن، وحمايته من شتاء اقتصادي قاس يتكرر كل عام بلا حلول حقيقية أما الإبقاء على الوضع القائم، فيعني أن المواطن سيبقى يدفع الثمن وحده، وهو أمر لم يعد مقبولاً ولا قابلاً للتبرير.
والله المستعان.











طباعة
  • المشاهدات: 8320
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
09-02-2026 12:33 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم