07-02-2026 08:58 AM
بقلم : أمل خضر
في مثل هذه الأيام، لا يستدعي الأردنيون ذاكرتهم من باب الحنين، بل من باب الوعي. فالوفاء للملك الحسين بن طلال ليس استحضارًا لرجل غاب، بل استدعاءٌ لقيمةٍ لم تغب، ولنهجٍ تأسست عليه الدولة وبقي حيًا في ضميرها السياسي والإنساني.
الحسين، رحمه الله، لم يكن حدثًا في تاريخ الأردن، بل كان التاريخ وهو يتشكل. قائدًا أدرك باكرًا أن بناء الدول لا يتم بالقوة المجردة، بل بالثقة، وأن الشرعية لا تُفرض، بل تُكتسب بالصبر، والصدق، والقرب من الناس. لهذا لم يكن حب الأردنيين له طارئًا أو عاطفيًا، بل كان حبًا نابعًا من شعور عميق بأن هذا القائد حملهم في قلبه كما حملوا اسمه في وجدانهم.
وعندما جاء يوم الفقد، لم يرتبك الأردن، ولم يتصدع. في لحظة كان يمكن أن تكون فراغًا، تحولت البيعة إلى امتداد طبيعي للوفاء. لم تكن بيعة الملك عبدالله الثاني مجرد انتقال دستوري للسلطة، بل كانت انتقالًا هادئًا للثقة، من يدٍ عرفت كيف تصون الدولة، إلى يدٍ عرفت كيف تحميها في زمن أشد تعقيدًا وأقسى اختبارًا.
الملك عبدالله الثاني، منذ لحظة توليه سلطاته الدستورية، لم يقدم نفسه بوصفه وريثًا للتاريخ فحسب، بل بوصفه حارسًا لمعادلة صعبة: أن يبقى الأردن ثابتًا في إقليم مضطرب، وأن يحافظ على كرامته دون أن يغامر بمصيره، وأن يقول كلمته دون أن يرفع صوته. وهي معادلة لم يتقنها إلا القادة الذين يدركون أن الحكمة ليست ترددًا، بل شجاعة من نوع أعمق.
شهد العالم كله للملك عبدالله الثاني بحنكته السياسية، وبحضوره الدولي الذي جعل من الأردن رقمًا صعبًا في معادلات المنطقة، لا تابعًا ولا معزولًا. لكن ما قد لا يراه الخارج بوضوح، هو أن هذه القوة لم تكن منفصلة عن الداخل، بل مستمدة منه. فالقائد الذي يثق بشعبه، ويحتمي بثوابته، لا تهزه العواصف، ولا تُربكه الضغوط.
حب الأردنيين لملكهم اليوم ليس حب شخص، بل حب خيار دولة. خيار الاستقرار الواعي، لا السكون. وخيار السلام القائم على الحق، لا الضعف. وخيار أن يبقى الأردن دولة موقف، لا ساحة صراع. وهذا ما فهمه الأردنيون مبكرًا، فحافظوا على بيعتهم كما حافظ ملكهم على عهده.
في ذكرى الوفاء والبيعة، يقف الأردن شاهدًا على تجربة نادرة في العالم العربي تجربة دولةٍ حافظت على توازنها لأن العلاقة بين القيادة والشعب لم تُبنَ على الخوف، بل على الفهم، ولم تُدار بالشعارات، بل بالمسؤولية المتبادلة.
هكذا، لم يرحل الحسين من وجدان الأردنيين، ولم يكن عبدالله يومًا بعيدًا عن نبضهم. وبين الوفاء والبيعة، تتجدد الحكاية الأردنية، لا كذكرى، بل كمسارٍ مستمر، يؤكد أن بعض الأوطان تُحكم بالحكمةوتُصان بالحب العاقل.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
07-02-2026 08:58 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||